|
حوار/ كفاح محمود
الكورد الفيليّون شريحة عراقية شاركوا بقية القوميات والطوائف افراح واتراح الوطن على مر الزمن وتحملوا الويلات والمصائب التي وزعها الطاغية على الشعب العراقي المظلوم وكانوا جزءاً من ضحايا حروبه ومعتقلاته وجزءاً من المقابر الجماعية التي توزعت الهضاب والصحارى.. هُجِّروا من العراق بحجة التبعية لأيران، وفي ايران تمت معاملتهم على أساس أنهم من التبعية العراقية.. اعتمدوا على انفسهم وتركوا ايران وانتشروا في المنافي في دول اوربا التي احتضنتهم واعطتهم حقوقهم كبقية اللاجئين السياسيين بكل احترام وبطريقة افضل بكثير من طريقة الوطن، في هذا الشهر تمت محاكمة عدد من المجرمين المتهمين بأبادة الكورد الفيليين الذين تعرضوا الى أكبر مظلمة في التأريخ من جميع الطوائف العراقية التي تعرضت للأضطهاد، وتم اسقاط الجنسية عنهم وهناك قوائم طويلة تتعلق بممتلكاتهم التي صودرت، وما كان يسمى بمحكمة الثورة الصورية المنحلة اصدرت احكاماً جائرة بحق الآلاف من الكورد الفيليين خلال دقائق دون أن يعطوا فرصة للدفاع عن انفسهم، واليوم نلتقي بالبروفيسور خليل اسماعيل، والسيد عيسى فيلي ليتحدثا عن جانب من تلك المأساة...
البروفيسور خليل اسماعيل استاذ الدراسات السكانية في جامعةصلاح الدين تحدث عن الوجود الكوردي في العراق ومعاناة الفيليين قائلا:
لو استقرأنا التاريخ لوجدنا ان العرب وقبل الموجات التي أتت من شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي لم يتجاوزوا نهر الفرات والدلائل والكتب والمصادر تؤكد (ليست المصادر الكوردية) وانما المصادر العربية ومصادر المستشرقين ان حدود العرب كان نهر الفرات قبل أن تأتي الموجات العربية الأسلامية في ذلك التاريخ الذي نوهت أليه. لذلك كانت هذه المنطقة (واعني منطقة وسط وجنوب العراق امتداداً للمناطق الجبلية التي تسمى في الوقت الحاضر بكوردستان) منطقة كوردية يعيش فيها الشعب الكوردي امتداداً من البصرة وانتهاء بالمناطق الجبلية، الا أن موجات الزحف الأسلامي التي قدمت باستمرار، ليس فقط في عهد الخلفاء الراشدين، وأنما حتى في العهود التالية واستمراراً الى التاريخ الحديث، هذه الموجات البشرية ادت الى تمازج بين الشعوب الجديدة وبين السكان الأصليين الموجودين في العراق، وفي المناطق المنبسطة في وسط وجنوب العراق كان من السهل للجماعات العربية ان تؤكد تأثيرها وتفاعلها بالنسبة للسكان ولكنهم لم يستطيعوا ذلك بالنسبة للسكان في المناطق الجبلية الوعرة، لذلك شاهدنا ان المناطق الجبلية وشبه الجبلية التي تمثل الآن كوردستان العراق احتفظت بعاداتها وتقاليدها وسماتها وخصائصها ومن الناحية الجغرافية استطاعت الأحتفاظ بالتقاليد والأعراف اما في مناطق وسط وجنوب العراق استطاع العرب فرض اللغة العربية كلغة رسمية.... مع ذلك فان الأصرار لدى الكورد الفيليين كان سبباً لاحتفاظ هؤلاء بلغتهم، ولا ننسى ان التسامح الذي تميز به الإسلام في الفترة الأولى، قبل ظهور العنصرية والعروبية، كان سبباً للأسهام في حفظ الكورد الفيليين بعاداتهم وتقاليدهم. وفي بعض الظروف الصعبة التي ظهرت فيما بعد أي بعد تشكيل الدولة العراقية استطاع هؤلاء وكرد فعل لعمليات التعريب التي تركزت في وسط وجنوب العراق ان يحافظوا اكثر على خصائصهم القومية ورغم المعاناة مازال اسماء ابناؤهم اسماء كوردية فيلية ولغتهم البيتية هي لغتهم الأصلية.. والدليل على ذلك تجد في بعض مناطق العراق في الوسط والجنوب ومن خلال الأحصاءات الموجودة أن اسماء البلدات والمحلات مازالت تسمى بأسماء كوردية ولو نظرنا الى الأمور بشمولية أكبر، نجد ان منطقة الكورد الفيليين ابتداء من بغداد وانتهاء بالحدود العراقية الأيرانية هي منطقة استراتيجية لها ابعادها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الأمن القومي العراقي، لذلك فأن الحكومات العراقية لم تراع في حساباتها المسائل الأقتصادية بقدر ما كانت تراعي اثر هذه الظاهرة على ألأمن القومي العراقي منذ انشاء اول دولة عراقية في عام 1921، اما قانون الجنسية العراقية الذي صدر في عام 1924 أو 1925 لم يصدر ليمنح العراقيين وثائق الجنسية بقدر ما كان يركز فيه على هذه المنطقة وتأمينها وسبل صهر الفيليين.
وفي العهد البعثي أي بعد 1968 وصل الأمر الى اعطاء ممتلكات الكورد الفيليين الى اعوان النظام كغنائم حرب وعندما برمجت الحكومة البعثية سياستها المعادية للكورد وضعت لحملات التعريب ثلاثة محاور رئيسية احدها المنطقة الفيلية والثاني محور كركوك والمحور الثالث منطقة سنجار وزمار، وفعلاً استمرت هذه السياسة بشكل متوازن في جميع المناطق..
وبعد أكثر من خمس سنوات على سقوط النظام مازال الكورد الفيليون يحلمون بالعودة الى الوطن والتعويض ولكنهم اصطدموا بالواقع المر لان الحكومة العراقية الفدرالية لا تعوضهم ولا تعيد اليهم حقوقهم وحكومة اقليم كوردستان لا تستطيع ان تفي بجميع ألتزاماتها تجاه هؤلاء. لذلك مازالت معاناة الفيليين مستمرة...
وعن المأساة التي حصلت تحدث السيد عيسى فيلي المختص في شؤون الكورد الفيليين قائلا:
ربما البداية كانت في سنة 1959 عندما عاد البارزاني مصطفى الى بغداد واستقبل بحفاوة بالغة وبالاخص من قبل الكورد الفيليين، لان البعثيين عندما شاهدوا هذا الوجود الكبير للفيليين شعروا بثقلهم داخل بغداد وتأثيرهم على الاحداث وفكروا بصهرهم واضطهادهم بشتى الطرق، وبعد انقلاب 1963 فان المنطقة الوحيدة في بغداد والتي قاومت الانقلابيين كانت منطقة باب الشيخ ولمدة ثلاثة ايام متتالية دفاعاً عن الزعيم عبدالكريم قاسم، لذلك فان الحكومات المتعاقبة على الحكم في بغداد انتهجت النهج المعادي للكورد الفيليين.. وبعد اتفاقية اذار 1970 خرجت الجماهير الفيلية في مسيرات احتفالية شارك فيها اكثر من نصف مليون كوردي فيلي جاؤوا ليحيّوا الوفد الكوردي (وكان الشهيد ادريس البارزاني والرئيس مسعود البارزاني من ضمن اعضاء الوفد)، وهم يحملون صور البارزاني.. وهنا تجدد التخطيط البعثي المعادي والمنظم ضد الكورد الفيليين، والسبب الاخر هو أن الكورد الفيليين كانوا يملكون المفتاح التجاري العراقي، وفي عامي 1973-1974 قاموا بتقليص اجازات الاستيراد للكورد الفيليين ووصل الامر الى منعها بشكل تام على هؤلاء، كما قاموا بتنفيذ حملات التعريب والتهجير القسري والابادة الجماعية، وفي عام 1971 فقط تم تهجير (80) ألف عائلة كوردية فيلية الى ايران، وأرتكبت بحقنا من قبل النظام البائد وازلامه وبناء على قرار من مجلس قيادة الثورة المنحل وبتنفيذ من المؤسسات الامنية التي قامت بذلك بطريقة وحشية واسلوب همجي وفاشي لم يرحم فيها احداً، وقد تم نهب الممتلكات الخاصة واعتقال الالاف من الشباب الابرياء وإبعاد العوائل إلى حدود مزروعة بالالغام بينهم الكثير من النساء والاطفال والشيوخ الذين فقدوا حياتهم في الطريق بين العراق وايران، كل ذلك بحجة التبعية لايران.
وفي الجانب الاخر، أي عندما وصل المهجرون الى ايران وُضعوا في مخيمات لا تليق بهم ولا بعوائلهم وامضوا سنين عجافاً فيها في ظل ظروف حياتية سيئة..
ويمكن ان نقول كلما كانت الثورة الكوردية في كوردستان توجه الضربات القوية والمؤثرة للنظام فان النظام كان ينتقم لذلك من الشريحة الفيلية في بغداد وغيرها من مدن العراق..
وفي 6/4/1980 اصدر ما كان يسمى بمجلس قيادة الثورة قراراً يمنح بموجبه الجنسية العراقية لكل من يسكن في بغداد قبل 1959 وأمضى خمسة عشر عاماً في السكن في بغداد، وكان هدف هذا القرار الخبيث الحصول على معلومات عن الكورد الفيليين ليسهل تهجيرهم وابادتهم وبعد سقوط النظام البائد في نيسان 2003 توقع الكورد الفيليون ان تأخذ العدالة مجراها، في السابق اعتبروا الشريحة الفيلية من التبعية الايرانية كي يهجروا من العراق في حين تم اعتبار العراقيين الاخرين من التبعية العثمانية، والسؤال هنا: لماذا لم يُهجَّر المحسوبون على التبعية العثمانية الى تركيا في حين تم تهجير الكورد الفيليين الى ايران؟
الان وبعد مرور مايقارب من خمس سنوات على سقوط النظام، وعودة الكثير من الفيليين الى العراق كغيرهم من العراقيين يريدون المشاركة في بناء هذا الوطن الجريح، هناك الكثير من المشكلات التي لم تعالج وهناك الكثير من القضايا المعلقة في هيئة نزاعات الملكية فيما يخص اعادة حقوق الكورد الفيليين، ومازال مصير اكثر من (20) الف شخص غيبوا في سجون البعث مجهولاً، ومازال الكوردي الفيلي يطالب الحكومة العراقية الفدرالية ان تضع حلاً لوثائق الكورد الفيليين الذين يرغبون في زيارة العراق حيث تطلب منهم السفارات وثائق عراقية غير موجودة لديهم لان النظام البائد قد صادرها منهم.. وموضوع الجنسية العراقية مازال موضوعاً شائكاً ومعقداً بالنسبة لنا، وحتى الان وان حصل الفيلي على مستمسكات فان فيها (كوداً) خاصاً يميزه عن بقية العراقيين، وهناك جهات تطلب مبالغ كبيرة من الكوردي الفيلي كي يدفعه للساكن في بيته (الاصلي) مقابل اخلائه وهؤلاء قد حصلوا على تلك البيوت كهبة من النظام السابق او ربما قد اشتروه في مزادات باثمان بخسة.. أي ان الكوردي الفيلي وبدلاً من ان يتم تعويضه من قبل الحكومة الفدرالية يطلب منه ان يعوض الذي اغتصب بيته، وهذه قضية سياسية مرتبطة بالقضية الكوردية بشكل عام والحس القومي عندنا ارقى من الحس المذهبي، وكل ما هناك ان الكورد الفيليين يعيشون مدة (13) يوماً في مناسبة العاشوراء اجواء مذهبية وتنتهي بعدها، لذلك لا اتصور ان يكون الحس المذهبي اقوى من الحس القومي وقد اثبتت الانتخابات التشريعية السابقة والادلاء بالاصوات لصالح التحالف الكوردستاني هذه الحقيقة
|