هل فقدت كلمة المرور؟ سجل الآن
  • Narrow screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Auto width resolution
  • Increase font size
  • Decrease font size
  • Default font size
  • default color
  • red color
  • green color
Member Area
الرئيسية arrow المقالات arrow الرقابة الذاتية والدافع الحركي والسلوك الإنساني ---عبدالرحمن آلوجي
الرقابة الذاتية والدافع الحركي والسلوك الإنساني ---عبدالرحمن آلوجي طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ عبدالرحمن آلوجي   
Thursday, 20 November 2008
ينبعث السلوك الإنساني, في مختلف سوياته وميادينه وعلاقاته, وتوافقه واختلافاته, من بواعث مستكنة, ومحركات داخلية خفية,تثمر أفعالا وتصرفات وقيما تترجم تلك البواعث,وتعبر عن الدواخل الكامنة, والأعماق المستترة, سلوكا يضفي طابعا خاصا, ونمطا محددا, يعبر في طبيعته ومستواه وتوجهه عن جملة معقدة مثارة من تلك الأعماق, بما تحويه  وتدَخره من حصيلة المفاهيم والتصورات والمنظومة الفكرية والتربوية المتراكمة في عالم يغدو مستودعا تراكميا,تزاحمت فيه ذخيرة مختزنة, عبر سلسلة طويلة من حلقات الاتصال والمتابعة والتثقيف والتهذيب والتلقين المتواصل, وفق قواعد التأسيس والبناء المعرفي للشخصية الإنسانية, وفق سيكولوجيا الأعماق والدراسات الحديثة منذ سيجموند فرويد ويونغ وادلرومدارس التحليل النفسي والانتصارات المذهلة في علم النفس التحليلي والتربوي, وأبحاث جون ديوي وبيير داكو, ودراسات كلود برنارالمنهجية, والتي تحدد آفاق التوجه نحو بناء عالم الشخصية ومعالمها, انطلاقا من الداخل وإغراقات الذات, ورقابتها العميقة, ومراقبة الدوافع الأولية والضرورات الحافظة للنوع, إلى التوافق مع المحيط البيئي المعرفي والقيمي والأخلاقي والروحي,إضافة إلى تجارب الحياة العفوية والفطرية والموجهة, ومجمل الطاقات والاستعدادات الفردية والجماعية, ووسائل التشجيع والإثارة ودوافع التحريض والاستجاشة وعواملها,أو التثبيط والممانعة ,ونمط العيش ومستواه ودرجة رقيه,أو انكفائه وتراجعه ودوافعها جميعا, ومدى انطلاقته الواعية والهادفة أو خضوعه لدوافع قسرية, أوردود أفعال, تعكس حالة التبعية ومنطق التقليد ومظاهر الرق الفكري و الاستعلاء العرقي, وعبودية الغريزة, وصفاقة التمييز , وبلادة وجمود التصور, تحت ضغط الكبت المتراكم والتفكير الاستبدادي الوصائي والآخر القومي البدائي المتشدد ,والرافض للآخرين تحت مسميات وذرائع وواجهات ويافطات مختلفة, وملفعة بأيديولوجيا محددة الآفاق والرؤى, و بحكم نمط وطبيعة العلاقة السائدة والمتصلة بمنطق القبيلة والعصبة والعائلة والملة والقوم والسلطة وضروراتها ومفرزاتها وتعاليمها ورؤيتها التقليدية المتأصلة, وصيغها المتدنية والمتآكلة مع الزمن, أو مدى الانعتاق من ذلك كله, والامتداد في الأفق وفي الزمن, وما يستلهمانه من تواصل أعمق وأوسع بما يوفر لتلك الأعماق المستكنة, والدواخل الكامنة من وفرة وغنى وذخر يغتني في الرؤية, ويمتد في الطيف الواسع من ألوان القيم والمعايير والرؤى, ما يغني السلوك الإنساني ويخصبه, ويعطيه حركية وقوة دافعة وعملا سخيا منتجا, ويقيه مزالق الخطل والتوجس من الجنوح والانحراف , ويعطيه من قوة العصمة والتوقي والتمنع, ما يحرز مكنة الرقابة والقدرة على التحكم بمعايير السلوك, ومقاييس التصرف المقتدر والمنضبط والقوة التي تترجم الدفعة الكامنة إلى ما وقر في القلب وصدقه العمل, وهو الجانب المؤمل والمرجو, مما يقربه من الرقابة الذاتية الفاعلة, والقادرة على التوجيه, وتحديد المنطلق ,  والتصرف بما يرقى إلى الأنفع والأجدى والأكثر تلبية للقيم والمقاييس الدافعة إلى البناء والازدهار والتقدم العلمي الماثل للعيان, والمتثل للحركة الذاتية الداخلية الفاعلة, بشفافية طليقة من كل حبسة ذهنية جامدة, أو رهق فكري أو أخلاقي مكبل, يحول دون اندفاعة ذاتية إلى ما هو أجدر بالإنسان في خدمة القيم والأهداف الكبرى, مع توفر الوازع الداخلي ومقوماته ومحفزاته ومحدداته المرتكزة على قواعد وأسس عميقة, ذات غور تتجذر مع معطيات قيم  مثلى ورفيعة, تترجم المطيات ميدانيا..

إن السلوك الإنساني يعبر من حالة الرهق والثقلة والضنك النفسي والقلق والتوتر, إلى رهافة الحس الأخلاقي, وبرد القلب وسلامة الضمير ويقظته, وخروجه من همود البلادة , وجمود التحجر وصلادته إلى حركية متقدة حية, تجافي صفاقة العصبية وبدائية النزعة القومية المستعلية , و تحارب استغلال الإنسان في أرضه وخيراته وكيانه وكرامته وحريته وهويته الإنسانية وانتمائه, في سذاجة وبؤس الضغينة وضحالتها إلى رحاب تلك الرقابة الذاتية , التي تصقل وتشذب وتعالج بالدربة وطول الألفة والمران والتطبيق الفعلي, وممارسة حالة ميدانية من التواصل الوجداني الرفيق والمؤنس مع الذات, والتربية المتواصلة والتوجيه والإعداد, وبذل إمكانات وطاقات منظمة ورعاية فائقة و متعاضدة دوليا , وعلى مستوى رفيع من القادة والمفكرين والقائمين على الاستراتيجيات الدولية الراعية في المؤتمرات والمحافل والمنتديات, غير المقيدة بأنظمة مستبدة متحكمة برقاب العباد  ,  وكل محاولة تهدف إلى تصحيح المسار ومراقبة كل تصرف ومعالجة كل توجه من شأنه أن يبعد عن السوي والمدرك والصالح والمتقن من السلوك والتصرف الفردي والجماعي, بما يؤكد على اليقظة الدائبة, والثبات على اليقين المتسلح بتلك الرؤية الناضجة, والمتعمقة للجذر الإنساني والتوجه القيمي, وانتهاج الفضيلة , بما اشتملت عليه من جماع الخير ومقتضيات السلام العالمي,والأمن وعوامل البناء ورفع دعائم المدنية وإعلاء قيم الحضارة والتراث الإنساني الهادف إلى إعمار الكون, ومده بأسباب البقاء والامتداد والتطور , وإبعاد السلوك الإنساني ومظاهره عن إرادة الشر , ودوافعه وعوامله ووبؤر التوتير والمشاحنة والإغراق في القيم والمعايير المتهاوية والمختلة الموازين في تناقضها وتهافتها ,وانحدارها إلى العنصرية وضلالها والبغي وطغيانه , والجبروت واستبداده , والحقد ومكره السيّء الذي لا يكاد يحيق إلا بأهله وبذاته وبمن حوله .

 ومن أجل ذلك جنحت النظريات الأخلاقية في الفلسفة وفي التراث الإنساني الثر والعريض بدءا بتعاليم الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين وموكبهم التاريخي الحافل, ومرورا بفلاسفة الشرق وكبار أعمدته وأعلامه وحكمة الهند والصين وفلسفة اليونان ,وصولا إلى المذاهب الفلسفية الكبرى في الغرب, مما يمكن إفراده ببحث مستقل ينهض بمآثر التراث العالمي وغناه وعظمته في رفد الوازع الداخلي وإغنائه,  لكن وقفة عند نظرية الفضيلة لدى"كانط" تدعونا إلىالتركيز على هذا الوازع وحيويته البالغة , وضرورة الوقوف بدقة عند "صحوة الضمير " , والمواظبة على رقابته ومده بالقيم الرفيعة, وملاحظة تحدره ووصوله إلى حالة "الانعدام والموت " ,وتراجع هذا الوازع الداخلي الهام الذي يعلو على الرقابة القانونية الخارجية في حالات معينة, والتي يمكنه توقي القوة القانونية والتحايل عليها,  لتؤكد التشريعات والقوانين السماوية , والسنن الكونية, والقوانين والنظم الوضعية على ضرورة تثمير وإغناء الرقابة الذاتية هذه, حيث تصل هذه الرقابة إلى حد الخشوع والتبتل والخوف من الله والتجرد لطاعته والحذر من عقابه كما يظهر في سلوك الرهبان والمتضرعين والمنقطعين إلى العبادة في مختلف الأصقاع والأعصار ,هذه الذاتية المتجردة تتفاوت,ولكنها تحصر طاقاتها وأعمالها, دون أن تقع في حيز رومانسي حالم بعيد عن زحمة الواقع واعبائه ومتطلباته الكبرى في معترك الحياة وضرورات مواجهة تحديات البقاء والتطور, في دائرة صارمة من الرقابة الدائمة والحافظة من الزلل والانحراف والجنوح نحو إيذاء الناس في أموالهم وممتلكاتهم وفي أنفسهم وأهليهم,لتكون تلك القوانين والنظم والشرائع والمعتقدات بمثابة قوة دافعة وموجهة ومبرمجة للسلوك الإنساني الناضج والخير والمتكامل , في رغبة ملحة وواعية لبناء الكون وعمارته والقيام عليه , ونبذ الهابط والمرذول والمهزوز من السلوك الإنساني, ومظاهره القميئة, وأدرانه ومنكراته وما تثيره من فتن وقلاقل وحروب ورعب وإرهاب وقتل وحرق وتشريد, وتنكيل بالأبرياء , واستئثار بخيراتهم وهتك لأعراضهم وبشاعة في التصور وجنوح إلى كل شائن وقبيح يلوث كرامة هذا الكائن الرفيع, ودوره الحضاري المنوط به , والمتعلق برفعته وسمو شأنه, إذا أراد أن يتبوأ مكانته الحقيقية, في الكشف عن المخبوء والمستتر من الطاقات الهائلة في الكون وارتياد مجاهله, في الآفاق والأنفس والثمرات والذخائر ,ليزاداد قوة إلى قوته, ورسوخا في سباقه العلمي الهائل , ومنجزاته الحضارية الضخمة , حيث الآماد واسعة ومفتوحة , ليتكامل الجهد الإنساني , ويعمر الكون الفسيح برواده البررة وعلمائه ونوابغ المبتكرين , فيزداد السلوك الإنساني غنى وثراء , وتجمل الرقابة الذاتية , ويعلو شأنها , وتصبح ذات جدوى , مع تقدم أسباب الصلاح , وإرادة الارتقاء إلى ما هو مبدع وصالح ومفيد, فتسمو لخير المجتمع وتقدمه ورشاده ونضجه العقلي والأخلاقي, ومثله العليا , وتبعده عن سخائم الحقد ودخان الحروب وآثام الكراهية والبدائية الساذجة في كل فكرة ممسوخة ودانية.   

 
< السابق   التالى >

RSS 2.0 Our site is valid XHTML 1.0 Transitional
Design WinStart