هل فقدت كلمة المرور؟ سجل الآن
  • Narrow screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Auto width resolution
  • Increase font size
  • Decrease font size
  • Default font size
  • default color
  • red color
  • green color
Member Area
الرئيسية arrow Blog arrow حوار خاص مع الاستاذ نزار حيدر: مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن --- غريبي مراد
حوار خاص مع الاستاذ نزار حيدر: مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن --- غريبي مراد طباعة ارسال لصديق
Wednesday, 03 September 2008
 
 
nezarheidar.jpg
الاربعاء 25 شعبان 1429 هجرية
27 آب 2008
    واقع القيم الإسلامية في مجتمعاتنا
    جديد العراق الجديد
    الشباب و قضايا الأمة
 
 
 أجرى الحوار: الأستاذ المهندس غريبي مراد
(كاتب و باحث إسلامي جزائري)
مدخل : شهد عالمنا العربي و الإسلامي في الشهور الأخيرة تطورات عديدة و ليست بالعادية، مما يستدعي الوقوف عندها و العمل على فك ألغازها و آفاقها، و محاولة بعث وعي ثقافي سليم بخصوص قضايا الأمة المصيرية ، و لعل محنة العراق و فلسطين و مآزق الطائفية و الإرهاب و غيرها من انحرافات اجتماعية و إخفاقات سياسية و ترهل ثقافي و تقوقع مذهبي  تتصدر قائمة أزمة الأمة  الإسلامية، تباحثا لبعض هذه المسائل كان لنا هذا الحوار الخاص مع مدير مركز  الإعلام العراقي في واشنطن الأستاذ نزار حيدر :
الاستاذ نزار حيدر في سطور:
نزار حيدر: من مواليد محافظة كربلاء المقدسة، عام 1959 م. انتمى الى صفوف الحركة الإسلامية المجاهدة في العراق عام 1972 م. شارك بفاعلية في انتفاضة صفر عام 1977م، وفي العام 1978م، قاد نشاطا سياسيا في محافظة النجف الأشرف اعتقلته على أثره سلطات الأمن والتي تمكن من الإفلات من قبضتها بمساعدة عدد من رفاقه المجاهدين.
شارك في حملة توزيع المنشورات السياسية التي غطت محافظات العراق من أقصاه إلى أقصاه في عام 1979 م، خاصة في محافظات كربلاء والنجف وبابل والعاصمة بغداد ومدينة الكاظمية المقدسة، بالإضافة إلى جامعة السليمانية التي درس فيها الهندسة، قسم الإليكترونيات عام 1980.
ولنشاطه السياسي المتميز في الجامعة طورد من قبل سلطات الأمن وحكم عليه بالإعدام غيابيا في ثلاث قضايا سياسية منفصلة، مما اضطرته الظروف القاسية للهجرة إلى خارج العراق ليواصل نشاطه المعارض في بلدان المهجر التي استقر فيها لفترات زمنية متفاوتة منها سوريا وإيران وعدد من الدول الأوربية ثم إيران ولبنان وسوريا ليستقر به المقام حاليا في العاصمة الأمريكية واشنطن.
انتخب عضوا في أول مكتب سياسي لمنظمة العمل الإسلامي في العراق عام 1989 م، ليعاد انتخابه مرة ثانية في العام 1992، كما رأس تحرير جريدة (العمل الإسلامي) الناطقة باسم المنظمة في الفترة (1982- 1989)، كما أن له مساهمات إعلامية وثقافية وفكرية في العديد من وسائل الإعلام العربية وخاصة صحف المعارضة العراقية، بالاضافة الى مساهماته في وسائل الاعلام العراقية التي تصدر اليوم في مختلف مناطق العراق، خاصة في العاصمة بغداد، وفي مواقع الانترنيت، الى جانب مساهماته الحوارية وتعليقاته السياسية المتميزة في الاذاعات والقنوات الفضائية العراقية والعربية والاجنبية.
شارك في العديد من مؤتمرات المعارضة العراقية أبرزها مؤتمر صلاح الدين في العام 1992 م، الذي أنبثق عنه (المؤتمر الوطني العراقي) الموسع والذي انتخب فيه عضوا في المجلس التنفيذي كما شارك في مؤتمر نيويورك عام 1999 م، انتخب فيه عضوا في المجلس المركزي.
ساهم في انتفاضة شعبان (آذار) عام 1990 م، ورأس أول وفد رسمي من الحركة الإسلامية يزور كردستان العراق أبان الانتفاضة والتقى بقادة الفصائل الكردية بغية التنسيق بين شقي الانتفاضة في الشمال والجنوب.
واصل نشاطه في كردستان العراق منذ العام 1991 م وحتى العام 1996 م عندما اجتاحت قوات النظام مدينة أربيل فاضطر للهجرة ثانية إلى خارج العراق. يتميز بعلاقات وطيدة مع مختلف قادة وفصائل وشخصيات حركة المعارضة العراقية، والذين هم الان في السلطة في بغداد، لما عرف عنه بالذهنية المتفتحة والوطنية.
فاهلا وسهلا ومرحبا والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته الأستاذ المؤمن الفاضل  نزار حيدر.
كلمة تمهيدية للأستاذ:
   بسم الله الرحمن الرحيم
   الحمد لله رب العالمين
   وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
   وبعد...
   في البدء، اسمح لي ان انتهز هذه الفرصة الثمينة لاقدم لشخصكم الكريم ولكل المسلمين في مشارق الارض ومغاربها، اسمى آيات التهاني والتبريكات بحلول شهر الله الفضيل، شهر رمضان المبارك، سائلا العلي القدير ان يوفقنا جميعا لصيام يومه وقيام ليله والتدبر في آيات كتابه العزيز، لتكون لنا نبراسا نهتدي به في ظلمات البر والبحر، وتعيننا على نوائب الدهر الخؤون.
 
    من أجل مجتمع إسلامي  سليم
1-  في الشهور الماضية، حررتم سلسلة بعنوان"حتى يغيروا"، حيث لاحظنا تحليلاتكم كانت معمقة، و ركزتم على القيم الأخلاقية الإسلامية و التنمية الاجتماعية، إلا أن واقع المسلمين يزداد انفلاتا و ضمورا في هذا المجال ، حيث نظريا يمكننا أن نقدم طروحات راقية لكن الواقع جد معقد ، ماهي السبل برأيكم الكفيلة ببعث إصلاح سوسيوثقافي مرتكز على النظرية الإسلامية ؟
 
 
   الجواب:
   لا شك ان هناك بونا شاسعا بين النظرية والتطبيق، وفرقا كبيرا بين الافكار والمبادئ، من جهة، وبين الواقع العملي، من جهة أخرى، وهذه الحقيقة لا تنطبق على مبادئ وقيم الاسلام الحنيف، وانما تنطبق على كل فكرة، الا ان ما يميز الاسلام عن غيره، هو ما يلي:
   اولا: ان مبادئ الاسلام انسانية قبل ان تكون دينية، اي انها تنسجم مع فطرة الانسان التي فطره الله تعالى عليه {فاقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون} ولذلك، فبعد مرور اكثر من اربعة عشر قرنا، لم يلحظ اعداءه اي تناقض بين قيمه والفطرة الانسانية السليمة، بل ان الكثير من دراسات المستشرقين والغربيين وغيرهم، ممن يتعامل بانصاف مع الفكر الاخر، يجد في المنظومة الفكرية والثقافية للاسلام ما يمكن ان يساهم في حل الكثير من مشاكل البشرين، اذا ما توجه لها المعنيون واهتموا بها بعيدا عن التعصب الاعمى والاحكام المسبقة .
   ثانيا: ان التاريخ الاسلامي يزخر بنماذج دينية قيمية عظيمة، نجحت، وبامتياز، في تقديم الصورة الناصعة والنموذج المثالي والمشروع العملي الذي يمكن ان يحتذى، ليس للمسلمين فقط، وانما للانسانية جمعاء، فهذا علي بن ابي طالب عليه السلام، ربيب رسول الله (ص) قدم نموذجا انسانيا راقيا خلال السنوات الخمس التي قضاها في السلطة حاكما لاكبر دولة آنئذ، وليس غريبا ان تبادر الامم المتحدة، مثلا، لاعتماد عهده عليه السلام الى مالك الاشتر عندما ولاه مصر، كوثيقة قيمية وعملية قابلة للتكرار، والاخذ بها والعمل على هداها اذا ما اعتمدتها الامم والشعوب والانظمة الحاكمة، كمنهج للتنمية وعلى مختلف الاصعدة، السياسية منها والامنية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية، وغيرها، كما اشار الى ذلك تقرير الامم المتحدة للعام 2001.
   المشكلة، اذن، لا تكمن في القيم الاسلامية النبيلة، وانما فيمن يعتقد بها ويتحمل مسؤولية الاخذ بها وتطبيقها كبرامج عملية للتغيير والبناء والنهوض والتنمية.
   لقد صادرت الانظمة السياسية الحاكمة في بلداننا، الدين، وسيطرت على منابعه (المدارس الدينية) محاولة تسيير دفته بالاتجاه الذي تريد وبالطريقة التي ترغب، من اجل خدمة اهدافها، والاسس التي تقوم عليها كالاستبداد والديكتاتورية وتوريث السلطة، والاعتقال وتفتيش العقول، واغتيال المعارضة وملاحقة الشرفاء، وسرقة المال العام والفساد المالي والاداري والخلقي والتمييز، ومن اجل تنفيذ مشاريعها التدميرية تحت عباءة الدين، سخرت هذه الانظمة جيش من وعاظ السلاطين وفقهاء البلاط ليصدروا فتاواهم عند حاجة السلطة وتحت الطلب، حتى اذا تناقضت هذه الفتاوى مع القران او سيرة رسول الله (ص).
   واذا اردنا ان نتحدث بصراحة اكبر، يجب ان نعترف بان الامة، كل الامة، تمر اليوم بانهيار كامل وعلى مختلف الاصعدة، ولذلك فان الحل يكمن في ان نطلق حملة شاملة ومتكاملة لتصحيح المسار، وهذه الحملة يجب ان يشترك في تنفيذها وتحقيقها كل علماء الامة وفقهائها ومفكريها ومثقفيها والمتنورين من ابنائها، بعيدا عن السلطات الحاكمة التي هي في حقيقة الامر جزء من المشكلة الكبرى ان لم نقل بانها كل المشكلة.
   لقد حاولت في سلسلة (حتى يغيروا) ان احدد معالم طريق التغيير، وهذه البداية، فكما قيل قديما (في البدء كانت الكلمة) فهل يمكن ان تكفي البداية؟ هل يكفي ان نبدا او ان نوقد الشمعة او ان نشير الى الطريق ونحدد عناوين القيم؟ بالتاكيد لا يكفي كل ذلك، اذ لا بد من مشروع ثقافي متكامل يشترك في رسم خارطته وتحديد معالمه وتنفيذه، كما قلت للتو، الجميع، وتتحدد فيه كل الحاجات الثقافية المرتبطة بحياة الامة وعلى مختلف الاصعدة.
   نحن اليوم بحاجة الى ان نميز بين الاسلام الحقيقي والاخر المزيف الذي تلبس به وعاظ السلاطين وفقهاء الجور، من الذين ركبوا مطية الدين لنشر الدمار والقتل  والذبح اعتمادا على فتاوى التكفير والغاء الاخر، مذهبيا كان ام دينيا، لا فرق.
2-  تتصف العقلية الشرقية بالروح الفردية بخلاف العقلية الغربية، ماهي الأسباب الجوهرية في ذلك بنظركم، و هل رؤية  الباحث المغربي الدكتور عابد الجابري بخصوص العقل العربي  في كتابه نقد العقل العربي  صحيحة ؟ و كيف يمكننا أن نستفيد من الروح الجماعية الغربية ؟ بلحاظ أنه حتى العلماء الدين و الدعاة و المفكرين  يؤكدون العمل  الفردي؟
    الجواب:
   وذلك هو جذر المشكلة، فلا زالت عقلية الفرد هي الحاكمة، مع غياب مطلق للعقلية الجمعية، لذلك لا نتلمس اي انجاز تاريخي في حياتنا، لان العمل الفردي لا تتراكم عنده التجربة، كما انه يفتقد الى الخبرة اللازمة، فهو، عادة، يبدا من الصفر مع كل من ينطلق به من الافراد كلا على حدة، اما العمل الجمعي، المؤسسة، فانه يساعد على تراكم الخبرة وهو يستفيد من التجربة مهما امتدت في عمق الزمن، ولذلك فهو لا يبدا من الصفر كما انه لا يبدا مع الانسان ـ الفرد وانما يستمر مع الانسان ـ الجماعة.
   لقد حقق الغرب كل هذه النجاحات التي نلحظها اليوم والتي باتت امتنا الاسلامية اسيرة لها ومنبهرة بها، بسبب حاكمية العقل الجمعي، مع حضور متواضع ومحترم للعقل الفردي الذي لا يمكن الاستغناء عنه بالمطلق، بكل تاكيد، ولكنه في الغرب لا ياتي على حساب العقل الجمعي.
   عندنا، العقل الفردي متضخم، اما في الغرب، فان العقل الجمعي هو المتضخم، ولذلك فان عمر مؤسساتهم، وعلى مختلف الاصعدة، يمتد بعضه الى مئات السنين، اما مؤسساتنا، وعلى مختلف الاصعدة كذلك، فلا تتجاوز عدد اصابع اليد من السنين.
   تخيل مثلا، ان عمر جريدة التايمز اللندنية تجاوز المئتين عاما، بما تراكمت فيها من الخبرة والتجربة والنجاحات، وانجازات من مر بها، ليترك بصمة ما في حقل من الحقول، هذا هو واقعهم، ويتساءل بعضنا، لماذا الاعلام الغربي اكثر مصداقية من اعلامنا؟ ولماذا هم يمتلكون التجربة ونحن لا نمتلكها؟ وهكذا؟.
   قاعدتهم في العمل، انهم يحترمون انجازات بعضهم البعض الاخر، فلا يلغى انجاز احد لحقد او ضغينة او حسد او بغضاء، او لاي سبب آخر، ولذلك تتراكم عندهم الخبرة والتجربة، ما يساهم بشكل مباشر في التطور والتنمية والنجاحات، اما قاعدتنا فاننا يلعن بعضنا البعض الاخر، على الطريقة التي تحدثت عنها الاية القرآنية المباركة {كلما دخلت امة لعنت اختها} فاذا سيطر حزب على السلطة، مثلا، الغى كل انجازات الذي كان قبله، من دون ان يفكر بانها ليست ملكا للحزب الذي انجزها وانما هي ملك الدولة والشعب الذي يعيش في كنف هذه الدولة، وهكذا، ولذلك فالانجاز غير محترم عندنا، وان التجربة لا تتراكم، بل اننا نرفض ان نتعلم من التجربة اذا كان صاحبها لا ينتمي الى الحزب الذي انتمي اليه، او انه يقلد مرجعا غير الذي اقلده انا، وقس على ذلك.  
   وبرايي، فان اسباب حاكمية العقل الفردي في مجتمعاتنا، تعود الى ما يلي:
   اولا: نوعية النظام السياسي الحاكم في بلداننا، والذي يقوم على اساس عبادة الفرد وتاليه الزعيم، فالحاكم عندنا هو الامر الناهي وهو صاحب المكرمات على الرعية وهو الذي يمتلك الحياة والموت، يهب الاولى لمن يحب ويتفضل بالثاني على من يكره.
   لقد كان شعار العراق ايام النظام الشمولي البائد وعهد الطاغية الذليل صدام حسين هو (اذا قال صدام، قال العراق) وآخر يقول (اذا تكلم صدام، تكلم العراق) فالطاغية كان هو القانون والدستور والدولة والحزب والحكومة وكل شئ، فالغى بذلك المواطن ـ الفرد والمواطن ـ المجتمع، فلم يعد بمقدور الانسان في ظل ذاك النظام ان يفكر او يحاور او حتى يحلم، فالحلم ضريبته الاعدام في قانون الطاغية المقبور.
   وفي ظل هذا النوع من النظام السياسي الذي يحكم اليوم بلداننا العربية والاسلامية، ولدت اجيال وترعرعت وكبرت وشبت، وهي لا تعرف الا الحاكم (الاب الحقيقي للشعب) فهو (البابا) وهو (الماما) احيانا، يرتضع منها الاطفال افكارا ومبادئ وقيما، صوره في كل مكان، حتى في بيت الخلاء، واقواله الماثورة تملا البلد، وخطاباته واحاديثه يتعلمها التلاميذ ويحفظها الصغار في المدارس، وطلبة الدراسات العليا يتسابقون فيما بينهم من اجل الظفر من اللجنة المشرفة بالموافقة على كتابة بحوثهم العلمية الجامعية عن الفلسفة في حديث الزعيم والرؤية الثاقبة في خطابه والنظرية الاجتماعية والتربوية في توجيهاته عندما زار دار الايتام في العاصمة، وهكذا، ولك ان تتخيل ما ينتجه كل ذلك من تخلف وصنمية وعبادة الشخصية وتقهقر معرفي خطير ومرعب.
   ثانيا: الى جانب هذا النظام السياسي الفاسد، يقف النظام الديني، ان صح التعبير، والمتمثل بالعلماء والفقهاء والمراجع والمدارس الدينية بمختلف اشكالها، وهذا يشمل مختلف الطوائف الاسلامية وليس طائفة دون اخرى، هذا النظام، كذلك، نشأ على اساس حاكمية العقلية الفردية، ولذلك لم يتحول الى مؤسسة عريقة يساهم في انجازها العقول والخبرة والتجربة المبتنية على العقلية الجمعية وروح الفريق الواحد، ولذلك فهذا النظام لا تراه  الا فقيها في بلاط السلطان، او مدرسة يعشعش فيها الفكر الديني المتخلف الذي يخرج الارهابيين والقتلة ممن يكرهون حتى انفسهم والحياة فما بالك بالاخر الذي يخالفهم في الراي والعقيدة والمذهب والدين؟ او مرجعية بالتوارث او مالا عاما ضائعا بين الابناء، او ما الى ذلك.
   وقد يكون هذا النظام الديني اخطر اثرا من النظام السياسي، لانه يشرعن الفردية وشخصنة الافراد وعبادة الاشخاص، وهذه كلها منظومة خطيرة جدا اذا لم ننتبه لها فستدمر حياتنا وستنهي مجتمعاتنا باسرع مما نتصور.
   ثالثا: ان طريقة تفكيرنا في تحقيق النجاحات قائمة هي الاخرى على اساس الفرد، ولذلك فعندما يفكر احدنا في ان يحقق انجازا ما يخطط اولا في طريقة تسجيل ذلك باسمه فقط، فالامة والوطن ليس لهما مكانا في عقليته الفردية، ولطالما قرانا العبارة التي تقول (برعاية الرئيس) تم وضع حجر الاساس لكل مشروع في البلاد، حتى اذا كانت مرافق عامة، او تبليط شارع او مد انبوب ماء، فكل شئ في بلداننا هو ماركة مسجلة باسم شخص وليس باسم المجموع (امة كانت ام شركة او فريق عمل) اما في الغرب فالنجاحات تسجل باسم البلد، طبعا من دون ان يعني ذلك الغاء دور الفرد في تحقيق الانجاز، اذ لكل دوره وفضله، فمثل ذلك كمثل الفريق الرياضي (كرة القدم مثلا) فالذي يسجل هدفا لاعب واحد، الا ان النصر يسجل باسم الفريق، لماذا؟ لان دور الفريق في تمكين اللاعب من تسجيل الهدف لا يقل اهمية عن دور مسجل الهدف كفرد، ولكل فضل، كما اسلفنا.
   ان حاكمية روح الفريق في الغرب هي التي حولت شعوبه الى خلايا عمل يساعد بعضها بعضا ويمكن بعضها البعض الاخر، اما عندنا، فالروح الفردية هي الغالبة، ولذلك لا احد يمكن احدا لينجح اذا لم يدون اسمه الى جانب اسمه، بل ان الاخرين يبذلون جهدهم لافشال زميلهم اذا كان سينفرد بتسجيل النجاح باسمه فقط، وبالتالي ترانا نعمل جميعا من اجل الفشل (ولكن لا تعلمون).   
3-  بنظركم  الاستاذ حيدر، هل الخطاب الديني الإسلامي الخاص بالمشاكل و الأزمات الاجتماعية  لم يرق بعد لمستوى التأثير و لا زال يتوجه للفرد دون المجتمع؟ و هذا ما تطرق له بالنقد الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (رض) بخصوص اشتغال الفقه الإسلامي لعصور على عنوان"الفرد"ولم يهتم كثيرا ب"المجتمع"مما جعل التغيير مستعصيا،مع العلم أن هناك مشاريع إصلاحية اجتماعية متعددة طرحها الشهيد في بحث "مجتمعنا" و كذا الإمام المجدد( رض) في كتابه "الفقه المجتمع" و ما هنالك من كتابات أخرى. ما دور المعاهد الإسلامية   و الإعلام الإسلامي في هذا المجال  ؟
   الجواب:
   نعم، فهذه واحدة من مشاكلنا التنظيرية.
   نحن نعرف جيدا، بان الاسلام خاطب الانسان ـ الفرد، كما خاطب الانسان ـ المجتمع، بمعنى آخر ان الاسلام دين المجتمع كما انه دين الفرد، ولذلك، ففي القران الكريم وسيرة رسول الله (ص) وائمة اهل البيت عليهم السلام، حديث الى الفرد وآخر الى المجتمع، ولا يمكن ان تصور اي توازن حقيقي في المجتمع الاسلامي من دون الاخذ بهذين البعدين، والا فسيمشي المجتمع بطريقة عرجاء، فرجل قصيرة واخرى طويلة، وبذلك يسير سيرا مشوها، وهذا ما نراه اليوم في الكثير من مجتمعاتنا، فبينما ترى بعض الناس (متدينا) كفرد فلا يترك صلاته وصومه، ولا يدع يوما من دون ان يقرا الادعية والاذكار الواجبة والمستحبة والمندوبة الواردة فيه، ولا يترك مستحبا في ماكل او مشرب او ملبس او مركب او عند قيامه وجلوسه ونومه ونهوضه، الا انه، في نفس الوقت، سئ الخلق مع الاخرين، مع زوجته واطفاله وابويه فما بالك بالابعدين، ينظر اليهم نظرة دونية لا يحترم الكبير ولا يعطف على الصغير، يستحقر المرأة ويستهين بالكاد على عياله، ولا يصغي الى متحدث ويقاطع من يتكلم معه، وقد تراه اسوء حالا من كل هذا، فيسرق بحجة التورية ويكذب تحت مسمى الكذبة البيضاء، ويغش بحجة الذكاء ويخادع بحجة النباهة، وهكذا، فاي اسلام هذا واي دين هذا؟ والرسول الكريم يقول (الدين المعاملة)؟ وهو القائل {خيركم خيركم لعياله، وانا خيركم لعيالي} و {المسلم، من سلم الناس من يده ولسانه}.
   نتصور ان الدين يعني هذه الصلاة والصيام والدعاء، اما العلاقة الحسنة مع الاخرين، وصون اللسان عن قول الفحش، وصون الجوارح عن المحرمات، فذلك ليس من الدين، وهذا تصور خاطئ لا اساس له من الصحة البتة، فالذين منظومة كتماملة يجب ان ناخذ بها بالكامل، والويل الويل لمن ياخذ ببعضها ويترك الباقي، فهو بذلك يشوه الصورة ويتحمل وزر الطعن الذي سيلحق بالدين من الاخرين الذي سيقيمون الدين على ما يفعله زيد او عمرو، والى ذلك اشار القران الكريم بقول الله عز وجل {افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى اشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} انظر الى التشديد في النتائج والعقاب في هذه الاية الكريمة، ما يشير، من دون ادنى شك، الى خطورة الامر.
   للاسف الشديد فان من يتصدى اليوم لتربية وتعليم المجتمع، يبذل كل جهده لتعليمه بعدا واحدا من الدين الا وهو البعد الفردي، اما البعد الاجتماعي فقد غاب عن واقعنا كليا تقريبا، وللاسف الشديد، ولذلك نلحظ كل هذا الافراط والتفريط في فهم الدين والتعامل مع قيمه، بعد ان تشوهت في اذهاننا منظومته الفكرية والثقافية ايما تشوه.
   نعم، فاذا لم يوضح المتصدون لعملية التغيير، الجانب الاجتماعي من الدين فسنكون امام كارثة ثقافية يتضخم فيها البعد الفردي على حساب البعد الاجتماعي وتاليا سنخسر كل المجتمع، لان الفرد في المجتمع اذا لم يع موقعه ولم يستوعب من حوله في اطار المنظومة الفكرية الدينية المتكاملة، فسيتحول الى (تكفيري) يعتزل المجتمع ولا يتمكن من الانسجام معه، فلم يعد يطيق وجوده، فاما ان يقتل المجتمع، اذا قدر على ذلك، او ان يعتزله ويبتعد عنه الى حين ان تسنح له الفرصة ليعود اليه مقاتلا للتخلص منه، لكفره او جهله على حد زعمه، وهذا ما تنادي به مجموعات العنف والارهاب والمجموعات الظلامية المتخلفة التي تنتشر هنا وهناك في جل مجتمعاتنا الاسلامية، تلك التي نصبت نفسها قيما على المجتمع (القاصر) في رايها والذي يحتاج الى وكيل او عائل يدير شؤونه، كالطفل او المجنون.
 
*    جديد العراق الجديد
1- ما رأيك في إنجازات حكومة المالكي؟
   الجواب:
   لا يختلف منصقان على ان حكومة الاخ السيد نوري المالكي حققت من الانجازات، وعلى مختلف الاصعدة، الا انها، في نفس الوقت، فشلت في تحقيق جوانب اخرى مهمة، تدخل في صميم الحياة المعيشية للمواطن العراقي، كما انها تساهم بشكل مباشر في صياغة العراق الجديد، منها على سبيل المثال لا الحصر، موضوعة الخدمات التي لا زالت تحت الصفر كالكهرباء التي تحولت اليوم الى ماساة وليس الى مشكلة، والماء الصالح للشرب والمشتقات النفطية، الى جانب موضوع البطالة وفرص العمل والتربية والتعليم الذي لا زال يعاني من مشاكل حقيقية على اكثر من صعيد كعدد المدارس ونوعيتها ومحتوياتها وتنميتها والمنهاج التعليمي والتقييمي (الامتحانات) الذي لا زال على حاله دون ان يشهد اي تغيير يذكر، بالاضافة الى التاثير المتبادل بين التعليم والبطالة والخدمات والذي سبب تسيبا مدرسيا كبيرا، استغلته جماعات العنف والارهاب لتجنيد المغرر بهم في اعمالها الارهابية والتخريبية والتدميرية.
   ولا ننسى هنا ان نعرج على المستوى الصحي الذي لا زال يعاني من التخلف بشكل كبير، بالاضافة الى الفساد المالي والاداري المستشري في كل مفاصل الدولة تقريبا، وكل هذا التلكؤ في مشاريع اعادة البناء والاعمار، بالرغم من ان الحكومة كانت قد اعلنت بان العام الحالي هو عام البناء والاعمار، الا ان اسبابا عديدة حالت دون تحقيق ذلك، حتى الان على الاقل، كما ان اسبابا كثيرة حالت دون نجاح الحكومة في جلب الاستثمارات من الخارج الى داخل العراق، على الرغم من عديد المؤتمرات الاستثمارية والملتقيات الاقتصادية التي عقدتها الحكومة في اكثر من بلد.
   شخصيا، اعتقد ان السبب يعود الى اميرين؛
   الاول، هو ان الحكومة الحالية هي حكومة محاصصة طائفية وحزبية وبشكل متعسف، ما اثر على ادائها، بل ان المحاصصة شلت الحكومة ومنعتها من الانطلاق في العمل والانجاز وتنفيذ المشاريع، وهذا ما كنت شخصيا قد حذرت منه في مقالات وحوارات وبرامج كثيرة، كما كنت قد تحدثت عن مخاطره ووجوب تجنبه وعدم التورط به،  وبشكل شخصي مع اكثر من مسؤول عراقي كنت قد التقيته في مناسبات مختلفة، الا ان نشوة السلطة في الايام الاولى من عملية التغيير دفعت بكل الاطراف الى ان يقبلوا بكل ما يطرح عليهم من افكار من اجل تسيير عربة العملية السياسية (حسب زعمهم) ناسين او متناسين ان (اليوم له ما بعده) وان ما يقبلون به اليوم سيتحول الى واقع سياسي وامر واقع بمرور الزمن، لا يمكن التخلص منه بسهولة قبل ان يدفعوا ثمنه، واذا كان بامكان المرء ان يحدد مسار البداية وتوقيته في بعض الاحيان، فليس بالضرورة ان يكون قادرا على تحديد مسار النهاية بنفس القوة والقدرة، وهذا ما حصل، اذ ترى اليوم جميع الفرقاء يلزمون، بضم الياء وفتح الزاء، بما الزموا به انفسهم في تلك الايام الخوالي، ولقد لمست بنفسي، وخلال زيارتي الاخيرة للعراق ولقائي بعدد كبير من المسؤولين، مدى معاناة الجميع من المحاصصة ومحاولاتهم التخلص منها وقد لبسهم الندم من قمة رؤوسهم الى اخمص اقدامهم، ولكن (ولات حين مندم) وصدق المثل الشعبي المصري الذي يقول (ان دخول الحمام ليس  كالخروج منه).
   الثاني، وهو نتيجة طبيعية للسبب الاول، فلما كانت الحكومة حكومة محاصصة، هذا يعني ان كل مسؤول فيها لا يمثل الشعب العراقي بمقدار ما انه يمثل الشريحة الاجتماعية التي ينتمي اليها، والتي يعتقد بانه مدين لها بموقعه الحكومي، ولذلك فان كل واحد في الحكومة لا يعمل من اجل ان ينجز للعراق وشعبه وانما للشريحة التي ينتمي اليها، بمعنى آخر، فان الروح التي تتحكم بالموقع الحكومي تغلب عليها كل الانتماءات الا الانتماء الى الوطن.
   طبعا، بالتاكيد فان هذه الحقيقة مرة جدا، ولذلك لا يصرح بها احد، ولكن ليسمح لي من هو في الحكومة ان اصرح بها ليس من باب الانتقاد او النكاية او ما اشبه، ابدا، وانما من اجل ان اؤشر على الخطا واتكلم بالحفقيقة من اجل التصحيح، فالمسار السياسي الحالي في العراق ليس ملكا لاحد دون آخر، انه ملك لكل الشعب العراقي، ولذلك فان الثمن الذي سيدفع لاحقا بسبب خطا يرتكبه زيد او عمرو اليوم، سيدفع من فاتورة الشعب العراقي وليس من فاتورة هذا الحزب او تلك الطائفة او العشيرة.
   الثالث، انعدام التجربة والخبرة لدى من تصدى لقيادة العراق بعد التغيير، وهذا شئ طبيعي، ففي بلد كالعراق الذي حكمته سلطة دموية استبدادية وشمولية، على مدى اكثر من ثلاثة عقود من الزمن، كيف تنتظر ان تنمو فيه التجربة والكفاءة لدى الناس، خاصة على صعيد السلطة والحكم؟ فضلا عن ان هذه التجربة الجديدة انظلقت في ظل ظروف امنية وسياسية قاهرة جدا، تمثلت بالاحتلال من جانب، والذي شرعنته قرارات دولية عديدة، والارهاب الذي طل بقرونه على العراقيين مدعوما بالفتوى الطائفية والمال الحرام والاعلام الطائفي الحاقد والدعم اللوجستي من امراء الحرب والطائفية الحاكمين في اكثر من بلد من بلدان الجوار.
   اضف الى ذلك، فان العقلية التي حكمت العراق خلال السنوات الخمس الماصية، لا زالت عقلية المعارضة وليست عقلية السلطة والحكم، وكما نعرف فان هناك فرقا كبيرا جدا بين العقليتين، فبينما تتحكم اسس كالاستئثار والاقصاء والحزبية الضيقة والانتقام، في عقلية المعارضة، فان اسس مغايرة هي التي تتحكم في عقلية الحكم والسلطة، كاسس الانفتاح والشراكة وتقيم الخبرة والكفاءة والتجربة والاستقطاب والعفو والتجاوز، وغير ذلك، ولان العقلية الحاكمة اليوم في بغداد هي عقلية المعارضة، لذلك كان الثمن غاليا جدا.   
   الرابع، هو تحالف ايتام الطاغية الذليل مع الطائفيين وتعاهدهم على تدمير العراق وتخريب البلد، لا زالت السلطة قد خرجت من ايديهم، ولذلك فقد عقد الاثنان تحالفا غير شرعي مع تنظيم القاعدة الارهابي في محاولة فاشلة منهم لتدمير العملية السياسية الجديدة والحيلولة دون تقدمها الى الامام.
   ان هذا السبب أخر، بلا شك، تحقيق الهدف الوطني للعراقيين، والقاضي بالاسراع في تحقيق السيادة الناجزة للبلد، ولكن وبالرغم من ان الثمن كان غاليا جدا، كاد ان يصل الى الحرب الاهلية، لولا تدبير العراقيين وتحملهم وصبرهم على الالم، وعقلانيتهم وحكمتهم، الا انهم (العراقيين) نجحوا في تجاوز كل تلك المحن والمصائب التي صبت على راسهم، وبالتالي بداوا اليوم يتحدثون عن اشياء اخرى غير الحرب الاهلية، وغير الفشل، والحمد لله رب العالمين.              
 
 2- من وجهة نظرك, ماذا عن بقاء قوات الاحتلال الأمريكي في العراق ؟
   الجواب:
   لا اشك قيد انملة في ان الاميركان وغيرهم سيرحلون عن العراق ان عاجلا ام آجلا، فالعراق له تجارب عديدة مع مثل الظروف الحالية التي يمر بها، وهو في كل مرة تعرض للغزو او الاحتلال، كان قد تخلص من الحالة الاستثنائية الطارئة، بجهاد ابنائه وحكمة رجالاته ووعي قادته وذكاء ساسته، وفي هذه المرة كذلك، سيتخلص من الظرف الاستثنائي الذي يمر به، وسيلعق جراحه ثم يضمدها ليعود معافى وبكامل صحته، فالظرف الحالي ليس بدعا من الظروف المماثلة التي مر بها، خاصة خلال القرن الماضي من الزمن، والذي تاسس فيه العراق الحديث.
   قد تكون هذه المرة طالت، ربما، اكثر من اللازم، واكثر من المعتاد، وهذا يعود الى اسباب عديدة، يمكن ان نلخصها بما يلي؛
   اولا، ان ما يجري في العراق اليوم هو انقلاب تاريخي بكل معنى الكلمة، فلاول مرة في تاريخ العراق يكون لكل العراقيين دور مباشر وحقيقي وواقعي في العملية السياسية، بعد ان كانت الاقلية هي التي تحكم البلاد في ظل تغييب متعمد للاغلبية وللاقليات القومية والدينية الباقية التي يتالف منها الشعب العراقي.
   ثانيا، ولقد لمس الجميع هذا الدور المتساوي والشراكة الحقيقية لكل شرائح ومكونات المجتمع العراقي في العملية السياسية، من خلال الانتخابات وكتابة والتصويت على الدستور، وهو بالمناسبة اول دستور يشهده العراق بهذه الصيغة بالرغم من المؤاخذات الواردة عليه، والتي لم يتنكر لها احد حتى من الذين ساهموا في كتابته وتدوينه.
   ثالثا، وبسبب هذا الانقلاب التاريخي الذي يشهده العراق الجديد، فقد جن جنون الانظمة الطائفية الحاكمة في محيط العراق، فراحت تضخ بالارهابيين والقتلة الى داخل العراق يدعمهم المال الحرام وفتاوى التكفير والماكينة الاعلامية الضخمة، كل ذلك من اجل ان لا ينجح العراقيون في انجاز مشروعهم السياسي الجديد، والذي يرون فيه مصدر تهديد لهم وذلك لسببين، الاول، هو هذه الشراكة الحقيقية في العملية السياسية والتي انتشلت الشرائح المغيبة لتقذف بها الى وسط المعمعة والى المقدمة، والثاني، هو المبادئ الديمقراطية التي يقوم على اساسها البناء السياسي الجديد، مثل الاحتكام الى صندوق الاقتراع ومبدا التداول السلمي للسلطة والحرية والتعددية والاعلام الحر و النقد والمحاسبة والملاحقة للمسؤولين من خلال القضاء المستقل وهيئات النزاهة، وغير ذلك من الاسس الحضارية التي يعتمدها المشروع السياسي العراقي الجديد، وكل هذا لا يروق لانظمة سياسية وراثية او عسكرية شمولية وديكتاتورية واستبدادية لا تعرف معنى لكرامة الانسان ولا تفهم شيئا عن الانتخابات وصندوق الاقتراع، ولا عن الشراكة والمساواة وحرية الصحافة والرقابة والمساءلة، ولا اي شئ آخر.
   ثالثا، كما ان لتعقيدات اللعبة الدولية دور في تاخر العراقيين في انجاز التحرير الناجز والسيادة الكاملة، الا انه مع كل ذلك فان العراقيين مصممون على انجاز اهدافهم في اسرع وقت وفي اقرب فرصة، وكلهم امل في ان يتفهم محيطهم ما يجري في العراق الجديد، فيتعاملون معه كامر واقع لا رجعة عنه، وان عقارب الزمن في العراق لا يمكن ان ترجع الى الوراء مهما كلف ذلك من ثمن، فبعد كل هاتيك المآسي التي عاشها العراقيون في ظل انظمة استبدادية، لا يمكن ان يتصوروا عودة العراق الى سابق عهده، تحكمه الاقلية في ظل سياسة التمييز الطائفي والعنصري البغيض، وفي ظل التمييز وانعدام تكافؤ الفرص.   
3-لعبت الشعارات على طول خط التراشق بين الفرقاء السياسيين  دورا كبيرا في تعطيل  تطور إعادة البناء و استتباب الأمن في العراق و إخراج المحتل الأمريكي. بنظركم ما دور الإعلام العراقي في دفع عجلة التحرير و الأمن و التنمية ؟  
   الجواب:
   للاسف الشديد، فان الاعلام في العراق لم يكن مهنيا ووطنيا، وانما اصطف سياسيا خلف التخندقات الطائفية والحزبية الضيقة، ولذلك فهو فشل في ان يكون الوسيلة القادرة على ان تغير اتجاهات البوصلة السياسية للقادة والزعماء، الا ما خرج بدليل، من تلك الوسائل الاعلامية التي ظلت تقاتل بسيف من خشب في معمعة السياسات المتخندقة بعيدا عن المصالح الوطنية العليا، ولو كان الاعلام العراقي قد مارس دوره الوطني، للعب دورا مهما في التقليل من الخسائر، ولاختزل الزمن لصالح العراق والعراقيين.
   وما زاد الطين بلة، كما يقول المثل، هو ان العديد من وسائل الاعلام العراقي، اتخذت من الاعلام العربي الطائفي نموذجا في طريقة التعامل مع القضية العراقية، لدرجة ان بعضها تحول الى بوق لذاك الاعلام الذي يعرف العراقيون جيدا ماذا يريد منهم ولهم، ومن الذي يقف وراءه وما هي اجنداته؟.
   على كل حال، فلقد مرت تلك الازمة الخانقة بسلام تقريبا، ونحن اليوم امام تحديات جديدة نتمنى على الاعلام العراقي ان يعي مسؤوليته جيدا، فيخرج من التخندقات الطائفية والحزبية والعائلية الى الفضاءات الوطنية، رحمة بنفسه ومصداقيته امام العراقيين على الاقل، والا فلو بقي على حاله متخندقا بكل زاوية ضيقة، فانه سيخسر ثقة الناس به وسيفقد مصداقيته، وتاليا سيخسر جمهوره، فلم يعد ذا تاثير في الساحة، وهو بالتالي سيخسر كل شئ عندما يصل الفرقاء الى تلك اللحظة التي سيتيقنون فيها بانه لا حل الا في التسلح بالوعي الوطني من خلال الايمان بالانتماء الى الوطن الذي يجب ان يكون فوق اي انتماء آخر، في بلد معقد التركيبة السكانية كالعراق، فاين سيتجه الاعلام وقتها؟ ام انه سينقلب على عقبيه، فسيخسر الدنيا والاخرة، كما يقولون، لانه عندها سوف لن يثق به احد ابدا.
4 – في حوار لكم سابق تحدثتم عن علاقة المثقف  بالمجتمع و حمايته له و أن العراق بحاجة لمثقف مبدع و متلقي نبيه إن صح التعبير، هل المثقف العراقي ألف الغربة و العمل من أجل الوطن عن بعد أم لا يزال الخارج عن القانون الجمعي حتى في ظل حكومة الشعب ؟
   الجواب:
   لا زلت اعتقد وبنفس القوة، ان المثقف يجب ان يحافظ على مسافة ما من السلطة، وان كانت عادلة، لان المثقف المتناغم مع السلطة، اية سلطة، يفقد القدرة على الابداع، فالعلاقة مع السلطة والابداع امران متوازيان كالخطين المتوازيين لا يمكن ان يلتقيا مهما امتدا، ومهما طال الزمن.
   ذات الشئ بالنسبة الى الحكومة المنتخبة من الشعب، اذ يجب ان يتخذ منها المثقف فاصلة معينة ليحافظ على استقلاليته والقدرة على الابداع، من دون ان يعني ذلك اعلان الحرب على الحكومة او اشهار السيف بوجهها، ابدا، وانما المقصود هو ان يظل المثقف مستعدا ابدا ليقول الحقيقة ويكتب الصحيح ويؤشر على الخطا او التقصير وينظر للافضل، حتى اذا تعارض كل ذلك مع شعارات الحكومة او اعلامها او ما تقوله وتدعيه.
   بالنسبة الى المثقف العراقي، فانه ظل منشدا الى الوطن والى معاناة العراقيين محاولا ان يكون قريبا من الداخل، بالرغم من بعد المسافات التي اضطرته اليها سياسات النظام الشمولي البائد، التي اقتضت ان تكمم الافواه غير المرغوب فيها، لدرجة انه لم يكن امام المثقف العراقي الا احد امرين، فاما ان يركع للنظام ويسجد له، او ان يهاجر اذا اراد ان يحتفظ براسه محمولا فوق عنقه وعلى كتفيه، فكم من مثقف عراقي حر وشريف هاجر الى خارج بلاده، فقط من اجل ان يحتفظ بقلمه الشريف وكلمته الحرة وباستقلاليته؟ وكم منهم مات في بلاد الغربة من دون ان يجد له زملاءه قبرا في ارض صباه؟ زر، مثلا، بلاد الشام، وتحديدا منطقة السيدة زينب (سلام الله عليها) لتقرا العلامات الدالة على قبور مثقفين عمالقة كالشاعر محمد مهدي الجواهري والشاعر عبد الوهاب البياتي والشاعر السيد مصطفى جمال الدين وغيرهم الكثير الكثير.           
 
5- انطلاقاً من كونكم حامل للهم العراقي منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، هل بدأ العراق يستعيد عافيته رغم الوجود الإستكباري؟
   الجواب:
   بالتاكيد، فانا اعتقد جازما بان عربة العراق اليوم على السكة الصحيحة، وان ما يمر به العراقيون اليوم من آلام، انما هي آلام الولادة وليست آلام الموت، انها آلام المخاض وليست حشرجات الموت.
   لقد خرج العراق من تحت انقاض اسوء نظام استبدادي شمولي، دام حكمه الاسود اكثر من ثلاثة عقود من الزمن، فهل يعقل انه سيستعيد عافيته بالكامل في ليلة وضحاها؟ بالتاكيد كلا، فالتغيير، عادة، يأخذ وقتا، خاصة اذا تذكرنا بان النظام البائد كان قد ترك للعراقيين بلدا مدمرا ونفوسا مدمرة وثقافات مازومة وعلاقات متشنجة وازمات كالقنابل الموقوتة، وان كل ذلك لا يمكن ان يصحح قبل ان ياخذ من الوقت مداه الكافي.
   انا اتمنى على من تبوأ مقاعد المسؤولية بعد التغيير، ان يتخذ من الطاغية عبرة ومن ازلامه درسا، فلا يكرر اخطاءه ولا يعيد انتاج سياساته، التي لم تعد على البلاد والعباد الا بالدمار.
6-  ماهو تحليلكم لصعود الفقيه لسدة السياسة العراقية، و هل نجح الفقيه في أن يكون سياسيا؟ أم أن التجربة العراقية تنفصل عن تجارب الخليج بإيجاد الدولة المدنية أو كما يعبر عنها العلامة السيد محمد حسين فضل الله دولة الإنسان؟
   الجواب:
   اولا، فان الفقيه في العراق لم يكن سياسيا بالمعنى الضيق للمصطلح، بل على العكس،  فان جل هم الفقيه عندنا هو ان يكون دينيا، يبذل كل جهده من اجل ان يحافظ على بيضة الاسلام وعلى الحوزة العلمية، وعلى المصالح العليا للامة، وعلى هويتها الثقافية والفكرية اينما كانت.
   ولكن عندما يتعرض البلد الى ظروف خطيرة كالتي مر بها العراق منذ التاسع من نيسان عام (2003) فان الفقيه وجد ان من واجبه الديني ان ينصح ويصحح ويرشد ويعلم ويقول، ليس من منطلق مفهوم السياسة، ابدا، وانما من منطلق المسؤولية الدينية التي تحتم عليه ان يكون حاضرا عند الشدائد فلا يترك البلاد والعباد للرياح العاتية تاخذ بها كيف تشاء والى اين ما تشاء، اولم يات في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) {اذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه} والازمة السياسية بدعة من نوع آخر، اذ ليس المقصود بالبدعه (الثقافية) فقط، وانما على اي صعيد كان، فكل ما يتناقض ومصالح الناس فهو بدعة، وان كل ما لا ترضاه الامة ولا يصب في مصالحها فهو بدعة، وان كل ما يتهدد الناس من خطر سواء كان سياسيا او عسكريا او ثقافيا فهو بدعة، وهكذا، ولعل ما مر به العراق خلال الاعوام الخمسة الماضية، يشكل بدعا وعلى مختلف الاصعدة، بل من اسوء انواع البدع، ولذلك قال الفقيه كلمته، فكانت دينية قبل اي شئ آخر، والدليل على ذلك ما يلي:
   اولا: عندما تدخل الفقيه لم يجبر احدا على الالتزام برايه، بل انه قال ما يعتقده صحيحا من باب الاجتهاد، فمن شاء اتخذ كلامه حجة، ومن لم يشا لم يعره كبير اهتمام.
   ولان الظروف كانت قاسية جدا، وان كل من تصدى للمسؤولية السياسية بعد التغيير كان مازوما وكان عاجزا عن ايجاد الحلول الناجعة للازمة، لذلك التزم الجميع بما كان يقوله الفقيه، ليس من باب الفتوى او التقليد، وفي السياسيين من هو لا يقلد او انه على دين او مذهب غير دين او مذهب الفقيه، الا ان الجميع التزموا برايه بعد ان تلمسوا فيه طريقا للخلاص ودربا للحلول وهما وطنيا يعلو على كل الانتماءات والاتجاهات.
   ثانيا، ان الفقيه هو الوحيد الذي لم يصطف في كل الازمات الا الى جانب الوطن والشعب، فلقد اثبت الفقيه، عندما تدخل، انه فوق الميول والاتجاهات وانه ليس دينيا بالمعنى الضيق للكلمة فينتصر لاتباعه ولا يأبه باتباع الديانات الاخرى، ابدا، بل انه دافع عن غير المسلمين دفاعه عن المسلمين، ودافع عن السنة دفاعه عن الشيعة، وانه دافع عن الكرد والتركمان والكلدو آشوريين دفاعه عن العرب وغيرهم، وهذا دليل قاطع على ان دور الفقيه لم يكن سياسيا وانما كان، وسيظل، دينيا وانسانيا، والا، بالله عليكم هل لكم ان تدلوني على شخص آخر غير الفقيه اتخذ مثل هذه المواقف ومن دون ان يصطف او يتخندق مع المتخندقين الاخرين، اما لدينه او لمذهبه او لقوميته او احيانا الى منطقته وعشيرته وجماعته وحزبه؟.
    شباب الأمة و آفاق المستقبل
1-     هل فعلا هناك حالة قنوط و يأس تصيب شبابنا ، مما جعلهم ينحرفوا خلقيا و يلجؤون لسلوكيات إجرامية ، حيث تستخدمهم أيدي الإرهاب في مشاريعها التدميرية لمقومات الأمة ؟ و ما سبل بنظركم لتوجيه شبابنا إلى سبل السلام و الفلاح ؟
   الجواب:
   الشباب، وبسبب حساسية العمر، هم قنابل موقوتة، اذا لم يتم التعامل معهم بطريقة صحيحة وبحساسية كبيرة، فانهم ينفجرون براكين مدمرة، ليس لانفسهم فحسب وانما لكل المجتمع، ولذلك فقد اهتمت كل الاديان والنظم الاجتماعية الوضعية بهذه الشريحة، فاوصت بالتعامل معهم بشكل صحيح وحذرت، في الوقت نفسه، من مغبة اي تجاهل او خطا يرتكب بحق هذه الشريحة التي هي اليوم في ريعان الشباب وهي في المستقبل القريب رجال الامة وقادتها وزعماءها، اذا نمت وترعرعت بشكل سليم، وهي المدمرة للمستقبل اذا ما طالت قامتها منحرفة عن الطريق الصحيح.
   والمشكلة، في الحقيقة، هي ان شباب الامة اليوم محاصرون بين انظمة استبدادية شمولية لا تعيرهم اي اهتمام، بل تحاول بكل جهدها ابعادهم عن الهموم والقضايا الحقيقية، في محاولة منها لابعادهم عن الشان العام خشية تاثيرهم على مسار ونمطية الانظمة الحاكمة، وبين (منظرين) لا يعون مشاكلهم وحاجاتهم بشكل صحيح، فمنهم من يوجههم الى (الدين) وبهذه الطريقة الخاطئة التي صنعت منهم انتحاريين وانتحاريات، ومنهم من يتجاهلهم بحجة صغر السن وافتقادهم الى الوعي اللازم ليميزوا به بين الخيط الابيض من الخيط الاسود.
   وعندما يعيش الشباب بمثل هذا الحصار، فيعدمون فرص التعليم والبحث والتربية وآفاق المستقبل والتمني والتطلع الى الامام من اجل مستقبل افضل، فانه بالتاكيد سيصاب بالقنوط والياس وفي اعلى مراحله، فاذا كان الشباب وبهذه المرحلة العمرية يجد الابواب مغلقة امامه وهو العمر الذي يتفجر حيوية وطاقة وتطلع وامل، فماذا سيكون حاله اذا ما تقدم قليلا بالسن؟ وماذا سيجد امامه؟ واساسا هل له ان يتمنى الشاب اذا ما تقدم به العمر وتجاوز مرحلته الحالية؟.
   لكل ذلك اصيب الشباب بالياس، فتحولوا الى جيش من الجهلة والعاطلين عن العمل وتاليا الى جيش من العميان يسيرون وراء انصاف المتعلمين وفقهاء التكفير وممن يدعي العلم والمعرفة، واخيرا تحول الشباب الى جيش تعبؤه مجموعات العنف والارهاب ليدمر ويخرب ويقتل ويذبح بدلا من ان يبني وينتج ويفكر ويبحث ويشارك ايجابيا في الشان العام.
   لقد تضخم دور مجموعات العنف والارهاب وجماعات الجريمة المنظمة والميليشيات والجماعات التكفيرية التي تعتدي على الحرية الفردية للناس، في بلداننا لهذه الاسباب، بعد ان تحول الشباب، وهم وقود على كل حال، الى عبوات ناسفة تبحث عمن يفجرها لتتخلص من الحياة التي سئمت منها ووصلت فيها الى الطريق المسدود وهي بعد في اول الطريق.
   ومن اجل ان نضع حدا لهذا الخطر، يجب ان تتخذ، فورا، الاجراءات اللازمة لتصحيح مسار الشباب، وهذه ليست مسؤولية الحكومات فقط، والتي لا ارجو منها الكثير بسبب انها لا تحمل وعي المسؤولية، فهمها هو السلطة فقط لا غير، وانما هي مسؤولية العلماء والمؤسسات الدينية والمؤسسات الشبابية ومؤسسات المجتمع المدني، بالاضافة الى المفكرين والمنظرين والمؤسسات الرياضية والفنية التي يجب على الجميع ان يتحملوا المسؤولية ازاء الشباب، والا فان تفجرهم سوف لا يقضي عليهم فقط وانما على كل المجتمع، كما اسلفنا قبل قليل.
2-     الحريات بالغرب قد تخالف الشرع الإسلامي الحنيف بشكل عام، لكنها عمليا تخدم التنشئة الاجتماعية للشباب بحيث يفرغ مكبوتاته و يجد فضاءات للإبداع بحكم الاستقلالية المتوفرة، بينما عندنا  السلطة الأبوية على حد تعبير المفكر الراحل هشام شرابي في المجتمع العربي أوجدت إنسانا معقدا غير قادر على الإبداع، لأنه مخنوق منذ يولد لا يلعب بحرية لا يختار مجال تخصصه بحرية و لا يعيش مراهقته بحرية، أليس كذلك أستاذ نزار؟
   الجواب:
   اكيد، فالمرء الذي لا يمارس حرية الاختيار منذ الصغر، سيتحول بمرور الوقت وتقدم السن الى آلة صماء او الى ببغاء، يكرر ما يقال له، ولا يفعل الا ما يؤمر به، ولذلك يعدم مثل هذا الانسان القابلية على الابداع، فاذا كان كذلك، تحول الى عنصر مستهلك في المجتمع، وتاليا تحول المجتمع برمته الى مجتمع مستهلك، وهذا هو حال مجتمعاتنا العربية والاسلامية، انها مجتمعات مستهلكة، فلا تفكر بالابداع والانتجاج ابدا، بسبب طبيعة التنشئة القائمة على اساس الممنوعات، وان هناك آخرون يفكرون عنهم بالنيابة فلماذا يرهق المواطن، عندنا، نفسه وذهنه في التنظير من اجل التطوير والابداع لا زال هناك (القائد الضرورة) و(الحزب القائد) و (الملك المعظم) وزعماء  (اللجان الشعبية) التي تفكر بالنيابة عنه؟.
   نحن اليوم باشد الحاجة الى ان نعيد النظر في طريقة تربية وتنشئة الابناء، علنا سنجد حلولا لمشاكلنا في المستقبل وعلى يد الاجيال الجديدة، التي ان وجدت اليوم وهي صغيرة في العمر، الجو المناسب للتنشئة السليمة، فانها ستكون المبدعة والمنتجة والمغيرة في المستقبل، بعد ان تكون قد اكملت سن الرشد، ليس من الناحية العمرية وانما من ناحية التربية والتعليم في فضاءات سليمة ونقية بعيدا عن العنف والارهاب الذي نمارسه ضدها في الاسرة والمدرسة والشارع ومحل العمل وفي كل مكان.
   تخيل، ان البنت لا زالت في الكثير من مجتمعاتنا لا تمتلك حق الاختيار لشريك حياتها، فالاب او الام هما من يختارا لها وكانهم هم من يريدون ان يتزوجوا وليس البنت المصون.
   يجب ان يتغير دور الوالدين، في حياة الابناء، فبدلا من ان يكون بالاستعاضة، يجب ان يكون دورهم استشاريا عندما يسالا من قبل الابن او البنت، كما يجب ان يكون دورهم التصحيحي لاخطاء الابناء بالطريقة غير المباشرة وليس بالمنع والضرب والعنف والمقاطعة، وعلينا جميعا ان نتذكر بان ابناء اليوم ليسوا ابناء الامس، وعالم اليوم ليس عالم الامس، فعالم اليوم امسى قرية صغيرة يتبادل فيه الشباب المعلومات والعادات والتقاليد بصورة تلقائية وسريعة ربما اسرع من البرق، ولقد راينا وشاهدنا جميعا كيف عبر الرياضيون، وحرصوا على ان يعبروا، ومن مختلف الاقطار التي شاركت في اولمبياد هذا العام، والذي انتهى للتو في العاصمة الصينية بكين، عن تاثرهم بالثقافات الاميركية بالرغم من ان عدد كبير منهم ترفع بلاده شعارات الحرب ضد كل ما هو اميركي، وان دل ذلك على شئ فانما يدل على مدى تاثر العالم بهذه الثقافات والتي تنتقل عبر الاثير الى مخادعنا في كل ساعة بل وفي كل لحظة.
   ليسمح لي الآباء ان اقدم لهم نصيحة اعتقد انها في غاية الاهمية، وهي، ان سياسات المنع لم تعد مجدية في التربية والتنشئة في عالم اليوم، ولذلك يجب ان نستبدلها بسياسات انجع واكثر تاثيرا، الا وهي سياسات الحوار مع الابناء، والصداقة والانفتاح والشفافية والصراحة، والاصغاء الى مشاكلهم ومعاناتهم وتطلعاتهم وامانيهم، بدلا من ان يكبتوها في نفوسهم لتتضخم بمرور الوقت فتتحول عندهم الى عقد مستعصية، او ان يفكروا في بثها لمن هب ودب، ربما، وهناك من يتصيد بالماء العكر فيبادر فورا الى توظيفها لصالح اغراض واهداف دنيئة، ليس اسواها الانخراط في جماعات العنف والارهاب.
   لندع الابناء ولنفسح لهم المجال ولنهئ لهم الظرف المناسب لان يسالوا ويستشكلوا ويحاوروا، ليعبروا عن انفسهم فتتبلور شخصيتهم، وان علينا ان لا نستغرب من اي سؤال قد يطرحونه، كما ان علينا ان لا تكون ردود افعالنا ازاء اي سؤال ومن اي نوع، بطريقة عنفية وانفعالية، اذ لابد ان نضبط اعصابنا ثم نحاول تفكيك السؤال للاجابة عليه، وبالطريقة الصحيحة التي تنسجم وعقلية وذهنية ووعي وثقافة وحساسية الاولاد، مع الاخذ بنظر الاعتبار جنس الاولاد، ذكر ام انثى، فان ذلك، كما هو واضح، له تاثيره على طريقة تلقي الجواب، فالبنت تختلف بذلك عن الولد، لشدة حساسيتها وعواطفها وانوثتها التي تفرض عليها شخصية معينة تختلف كليا عن الذكر، من هذه الناحية.
   المهم ان نستوعب اولادنا فلا ننفرهم ولا نبعدهم، فنرميهم في احضان المنحرفين من حيث نريد او لا نريد.
   يجب ان يشعروا بان المنزل هو افضل مكان يستوعبهم، فهو افضل من يصغ اليهم ويستمع الى مشاكلهم ويتفهم متطلباتهم، اما اذا احس الاولاد بان الشارع هو المكان المناسب لكل ذلك، فعليهم وعلى الوالدين وعلى الاسرة، وتاليا على المجتمع، السلام.    
3-         هناك بعض الشباب الجامعي و الناشط ثقافيا يشكو لي من الخطاب الديني المثقل بالمقدس و الخرافات و يسأل عن الفرق بين الدين و التراث وكيفية التعامل مع كليهما ، و ما المنهج الصحيح لتجاوز الحجر  الثقافي و إيجاد ملاذ ثقافي إسلامي بدلا عن الحداثة الغربية ، ما رأيكم؟