| نحن والسياسة الخارجية الأمريكية --- جان كورد |
|
|
|
| الكاتب/ جان كورد | |
| Wednesday, 23 July 2008 | |
|
بداية، من الضروري التأكيد على أن السياسة الخارجية لدولة من الدول لاتعتبر بشكل تام أو لاتعكس تماما الاتجاهات العامة لدى شعب أو شعوب تلك الدولة، وقد تعارضها أحيانا أو تسيء إليها كذلك، بدليل أن أخطاء السياسة الخارجية تصبح مادة ساخنة للنقاش في الحملات الانتخابية وقد تسبب سقوط حكومة من الحكومات أواستقالة الرئيس أو خسارة ماحقة في البرلمان.
السياسة الخارجية الأمريكية لاتسير على خط مستقيم حتى نستطيع تحديد مسارها بشكل جيد، وانما تسير في تعرجات وتموجات بسبب العديد من العوامل الداخلية والخارجية والمؤثرات التاريخية، ومثالان على ذلك: انهيار العالم الشيوعي في أواخر القرن الماضي دفع بالسياسة الخارجية الأمريكية إلى اتباع لون جديد من التعامل مع دول أوروبا الشرقية المنفصلة عن النظام الشيوعي، وقيام تنظيم القاعدة بالهجوم على نيويورك وواشنطن في11/9 /2001 دفع بالسياسة الخارجية الأمريكية إلى انتهاج سياسة حادة تجاه بعض البلدان، مثل أفغانستان والعراق والسودان وايران، واستخدام لهجة قاسية تجاه العديد من الأصدقاء التقليديين، مثل السعودية ومصر وباكستان، لاجبارها على مشاركة فعالة في حربها على الإرهاب، على المستوى العالمي...
ولكن رغم التقلبات المفاجئة التي تؤثر تأثيرا بليغا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة وتجعلنا نحتار من التحولات الطارئة في مسار العلاقات الدولية التي تقيمها الولايات المتحدة، يمكن تحديد بعض علامات الطريق الرئيسي الذي عليه هذا المسار، وهذا يفيدنا في توقع ما يمكن أن تكون عليه هذه السياسة تجاه حدث معين يجري في مكان ما من العالم.
من هذه المؤثرات ما هو داخلي وما هو خارجي، والداخلي يكاد يكون أساسيا، لأنه يتعلق مباشرة بالصراع السياسي الذي يتخذ شكل انتخابات لامثيل لها في العالم كله من أجل الوصول إلى البيت الأبيض، حيث النظام الرئاسي ذي الصلاحيات الواسعة للرئيس الأمريكي...فاقتراب الانتخابات الرئاسية يملي على السياسة الخارجية اتخاذ الحذر في التحرك الدولي وانتهاج ديبلوماسية مرنة، وعدم الوقوع في مطبات وفضائح دولية، وعدم منح وعود كبيرة للشركاء، بل والتراجع عن متابعة سياسة القوة والضغط تجاه الخصوم مؤقتا... وهذا ما نراه حاليا واضحا في المواقف الأمريكية حيال سوريا وايران وشمال كوريا، حيث نلاحظ حراكا ديبلوماسيا أمريكيا مختلفا عما كان عليه قبل شهور، وهذا يظهر إلى أي حد يلعب العامل الداخلي دوره في السياسة الخارجية... ولكن بمجرد أن تنتهي الانتخابات سنرى تفعيلا ملحوظا للديبلوماسية الأمريكية ومختلفا عما عليه الوضع الآن... وبالطبع ستختلف السياسة الأمريكية في بعض المناطق والموضوعات عالميا عندما يكون الرئيس الداخل إلى البيت الأبيض من غير الطينة التي عليها الرئيس الخارج منه... فلقد كان واضحا أن الرئيس جيمي كارتر الديموقراطي العميق الايمان بالسلام والدين سيملي سياسة مختلفة عن سياسة الصقور الجمهوريين على وزارة الخارجية، وهذا ما حدث فعلا....
ومن المؤثرات الخارجية في السياسة الأمريكية ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط مثلا، إذ أن النفط كان أهم شغل شاغل للسياسيين الأمريكان، ويبدو أن أزمة الغذاء العالمية أيضا باتت تؤثر تأثيرا بليغا في السياسة الدولية بشكل عام، وهذا يعني أنها ستؤثر بالتأكيد في السياة الأمريكية الخارجية أيضا، حيث في أمريكا أكبر بورصة دولية للتجارة بالمواد الغذائية، ولذا نرى للعامل الخارجي دورا هاما في تحديد موقف الخارجية الأمريكية من هذا النظام أو ذاك، وبالفعل فإن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المملكة العربية السعودية والكويت والامارات العربية المتحدة تختلف اختلافا كبيرا عن موقفها تجاه دول مثل سوريا أو تونس أو سيريلانكا، فالمجموعة الأولى منتجة للبترول بشكل وافر، في حين لاتملك المجموعة الثانية هذه الامكانات الضرورية للولايات المتحدة الأمريكية... وقد تتحمل الولايات المتحدة بقاء نظام مختلف في دول المجموعة الأولى مع نظامها آيديولوجيا وعقيديا لقرون من الزمن، طالما لايتوقف ضخ البترول ولاترتفع أسعاره ارتفاعا هائلا، ولكنها لاتتحمل وجود نظام شيوعي مثلا في كوبا الصغيرة، وتحاربه باستمرار من خلال الحصار الاقتصادي والمؤامرات السرية والضغوط العلنية دائما...
ومهما تكن سياسة أمريكا الخارجية متقلبة ومتبدلة ومثيرة للتساؤلات أحيانا، إلا أن هناك أعمدة هامة وأساسية تستند إليها في كل الأحوال، رغم التبدلات التي تحدث في طاقم البيت الأبيض، كل أربع سنوات أو ثماني سنوات، من جمهوري إلى ديموقراطي أو بالعكس، ومن هذه الأعمدة:
- السياسة الخارجية يجب أن تمارس على أساس الاقتناع الأمريكي التام بأن الولايات المتحدة هي أعظم قوة دولية، على الرغم من أن مقارنة بسيطة بينها وبين الصين الشعبية ستظهر لنا أن الولايات المتحدة لابد وأن تعترف، عاجلا أو آجلا، بأنها ليست القوة الأولى في العالم، وانما الصين الشعبية التي تجاوزتها على كل الأصعدة العسكرية والاقتصادية، مع تفوقها الديموغرافي وتوسعها التجاري دوليا وقدرتها على اقامة علاقاتها الواسعة في شتى أنحاء العالم دون ضجيج كبير ...
– السياسة الخارجية يجب أن تبنى على أساس عدم افساح المجال لأي دولة أو حلف دولي أو منظومة معينة (كالاتحاد الأوربي) بأن تنتزع / ينتزع من الولايات المتحدة تفوقها الاستراتيجي، والنووي خاصة، في البحر والجو وعلى اليابسة، وهذا يعني أن تتحرك السياسة الخارجية باستمرارعلى هذا المنحى، مهما كانت الصعوبات الديبلوماسية والعراقيل الاقتصادية، وهذا ما يحدث فعلا بصدد زرع الشبكة الصاروخية الأمريكية في دول المعسكر الشيوعي السابقة بذرائع مختلفة...
- السياسة الخارجية يجب أن تضمن تدفق البترول والمواد الغذائية والقهوة والموز والتبغ والغاز من دول العالم المختلفة على الأسواق التي يسيطر عليها الرأسمال الأمريكي ويتصرف بها كما يشاء، ضمانا لرفاهية الشعب الأمريكي أولا وللحفاظ على طريقته في الحياة، رغم ما يسببه ذلك من جوع وفقر وتدمير للبيئة والطبيعة في الدول المتخلفة ويضر بشعوبها ضررا فادحا، وهذا يعني الابقاء ولو بالقوة والعنف والاكراه على الأنظمة السياسية – العسكرية في تلك البلدان وحمايتها من الثورات المندلعة أو الحركات المناهضة للامبريالية، طالما تضمن هذه الأنظمة امداد الأسواق التي في قبضة الرأسمال الأمريكي وتحت رعاية الولايات المتحدة بما تحتاج إليه مما ذكرناها من مواد...
- السياسة الخارجية يجب أن تأخذ في الاعتبار دائما بأن هناك حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية لايسمح لأحد القضاء عليهم، مثل اسرائيل في الشرق الأوسط وتايوان في جنوب شرقي آسيا، ولربما يأتي يوم تضطر فيه الولايات المتحدة الأمريكية إلى التخلي عن حماية تايوان واسقاطها من الأيدي لصالح الصين الشعبية كما فعلت بريطانيا بهونغ كونغ، وذلك مقابل مصالح اقتصادية ضخمة أو لظروف استراتيجية قاسية، فالعملاق الصيني غير الكسيح العربي الذي لايتمكن من فرض شروطه على الولايات المتحدة واجبارها على التخلي عن حماية اسرائيل... وهنا يجدر بالذكر أن الولايات المتحدة تقف بقوة ضد المحاولات الايرانية التي تقوم بها طهران لتغيير موازين القوى استراتيجيا في المنطقة لصالح أعداء اسرائيل... والسبب في ذلك يكمن في أن النظام الأمريكي السياسي نفسه قائم على الرأسمال اليهودي – المسيحي الداعم لبقاء دولة اسرائيل، وخاضع تماما للوبي السياسي- الثقافي المتشدد حيال الموضوع، ولا يسمح بممارسة أي سياسة خارجية تضر باسرائيل...
- السياسة الخارجية الأمريكية مكلفة باستخدام مبادىء"الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان!" للوقوف بحزم في وجه سائر الدول والحركات المسلحة الشيوعية والمنظمات الإٍسلامية، التي تمارس "الإرهاب"، محليا أو دوليا، أو تكتفي باستخدام السلاح في بلدانها من أجل الوصول إلى أهدافها، وعلى السياسة الخارجية وضع أسماء تلك الجهات في لائحة الممارسين أو الداعمين للارهاب، حسب ما تقتضيه المصلحة الأمريكية العامة أولا، ويوجد حتى الآن ما لايقل عن خمسين منظمة في اللائحة السوداء، تتوزع في شتى أنحاء العالم، من اليابان إلى أمريكا الجنوبية، ومنها أحزاب سياسية لاتنظيمات مسلحة لها، أو أشخاص غير منضمين لتنظيمات سياسية... ولكن هذا الوضع في تغير مستمر، فقد تكون هذه الجهة "ارهابية" في هذا العام، ثم تعتبر"غير ارهابية" في العام القادم، ومثال كوريا الشمالية التي كانت في قائمة "دول محور الشر" واضح، فالولايات المتحدة شرعت باخراجها من تلك القائمة، على الرغم من أن هذا النظام الشيوعي الدكتاتوري لايزال يدوس حقوق الإنسان ويخرقها صباح مساء، ومجرد تخليه عن "السلاح النووي" قد سجل له نقاط إيجابية خارجيا وأمد في عمره داخليا ليداوم قمعه وارهابه ضد شعبه، والغريب أن اسم أحد أكبر رجالات العصر معادة للارهاب والاستعمار ومناهض للتفرقة والتمييز ورافض للانتقام من الذين مارسوا العنف عقودا من الزمن تجاه شعبه، ألا وهو الزعيم الأفريقي الشهير نيلسون مانديلا بقي حتى هذه الأيام القليلة الماضية في قائمة "الارهابيين"!.
على هذه الأعمدة وغيرها تقوم عمارة السياسة الخارجية الأمريكية، وعدم أخذها بعين الاعتبار يصعب فهم هذه السياسة التي قد يراها بعضنا متقلبة ومتناقضة، ولكنها في الحقيقة محددة باطارات وقوالب لاتستطيع الخروج عنها، مهما تغير أسياد البيت الأبيض وخدمه، جمهوريين أو ديموقراطيين، فالحزبان اللذان يحكمان أمريكا جورج واشنطن وابراهيم لينكولن لايختلفان في المسائل الجوهرية التي تتعلق بما ذكرناه آنفا، بل لايخرجان عن تلك الاطارات... وهذه الخطوط الأساسية تراعى على الدوام في العمل سواء تجاه النظام السوري أو الايراني أو غيرهما، ومهما تغيرت الوسائل والأساليب ، وتبدل وزراء الخارجية، ففي النهاية يجب أن تلتزم السياة الخارجية الأمريكية بالمصالح التي وضعت من أجلها أركان الادارة الأمريكية.
|
|
| آخر تحديث ( Thursday, 24 July 2008 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|
كوردستان تي في
الاتحاد الوطني الكوردستاني
العراق الأن
اصوات العراق
صوت العراق
آكي
موسوعة النهرين
إيلاف
ويكيبيديا
شفق للثقافة والأعلام للكورد الفيليين
صور احداث الساعة
وكالة فرانس برس
صحف ومجلات
الشرق الأوسط
التاخي
الحياة
المدى
الصباح
الدستور
الإتحاد العراقي
الاتحاد الاماراتية
دار الخليج
الصباح الجديد
وكالات انباء
سي إن إن بالعربية
بي بي سي بالعربية
ميدل ايست
وكالة الانباء الكويتية
وكالة انباء براثا
العربية
العرب اونلاين
الصوت الآخر
الزمان