هل فقدت كلمة المرور؟ سجل الآن
  • Narrow screen resolution
  • Wide screen resolution
  • Auto width resolution
  • Increase font size
  • Decrease font size
  • Default font size
  • default color
  • red color
  • green color
Member Area
الرئيسية arrow المقالات arrow المجاملة والمحاباة على حساب الحق لا تصح بتاتاً --- سيد صباح بهبهاني
المجاملة والمحاباة على حساب الحق لا تصح بتاتاً --- سيد صباح بهبهاني طباعة ارسال لصديق
الكاتب/ سيد صباح بهبهاني   
Friday, 03 July 2009

بسم الله الرحمن الرحيم

(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) النساء /105.

(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ) النساء /58.

(فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً ) المائدة /44 .

(وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ) المائدة /49.

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة /47.

(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) الإسراء /36.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) المائدة/8 .

(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى) ص /26.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : من حكم في قيمة عشرة دراهم فأخطأ حكم الله جاء يوم القيامة مغلولة يديه ومن أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض. دعائم الإسلام ج2 ص 528 .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كلمت مروءته ، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته.الخصال:208/28وح29.

وعنه صلى الله عليه وآله : ما كرهته لنفسك فأكره لغيرك ، وما أحببته لنفسك فأحببه لأخيك ، تكن عادلا في حكمك ، مقسطاً في عدلك ، محباً في أهل السماء ، مودودا في صدور أهل الأرض. تحف العقول :14.

وعنه صلى الله عليه وآله : أعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه ، وكره لهم ما يكره لنفسه . أمالي الصدوق :27/4 .

وعنه صلى الله عليه وآله ـ في آخر خطبته بالمدينة وقد سأله علي عليه السلام  عن منزلة الأمير الجائر ـ : هو رابع أربعة ، من أشد الناس عذاباً يوم  القيامة : إبليس ، وفرعون ، وقاتل النفس ، ورابعهم سلطان جائر. ثواب الأعمال : 338،309/1.

وعن الإمام علي عليه السلام : أعدل الناس من أنصف من ظلمه، أجور الناس من ظلم من أنصفه. غرر الحكم :3242،(3187ـ 3187) ،3014.

وقال الإمام علي عليه السلام : من طابق سره علانيته ووافق فعله مقالته ، فهو الذي أدى الأمانة وتحققت عدالته.غرر الحكم :8656.

وقال الإمام عليه السلام : إن من أحب عباد الله إليه عبداً أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف .... فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل ، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه . نهج البلاغة :الخطبة 87.

وقال الإمام الصادق عليه السلام الحكم حكمان ، حكم الله عز وجل وحكم الجاهلية ، فمن أخطأ حكم الله فحكم الجاهلية .دعائم الإسلام ج2 ص 529، والوسائل ،ج18،ص 11.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : إن الله لا يقدس أمة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه ولأنه من الأمر بالمعروف. المبسوط ج8 ،ص82.

وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام :عدل ساعة يعدل عبادة سبعين سنة.

هكذا حافظ الإمام علي عليه السلام على المصلحة العامة ونهجه في الإصلاح لخدمة الأمة الإسلامية وأن الذي يتابع سيرة ومسيرة الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام بكاملها ، لا يراها إلا سيرة صلاح ومسيرة إصلاح،  لأنه عليه السلام منذ بدايات عمره الشريف إلى لحظة استشهاده، وهو في سعي دائم لإحداث الإصلاح والتغيير الإيجابي ، ولذلك يمكننا النظر إلى السيرة العلوية على أنها المسيرة الإصلاحية المُثلى ، التي يمكننا الاستفادة منها والإقتداء بها إذا ما أردنا القيام بعملية الإصلاح الشامل ، فالإمام علي عليه السلام طبق في حياته أروع معاني الإصلاح ، حيث أنه أقام الحق ودحض الباطل ، ولم تأخذه في تطبيق ذلك في الله لومة لائم .

نعم ، إن أمير المؤمنين عليه السلام قد أقام الحق وأحيى العدالة في النفوس ، وقاوم الباطل ولم يجامل أهله أو يحابيهم على حساب الحق أبداً ، لأن هدفه عليه السلام كان هو الإصلاح ، لذا كانت كل تصرفاته وإجراءاته تنطلق من هذا المنطلق . وعلى الرغم من أنه كان يعلم بأنه سوف يقع في الكثير من المشاكل والمصاعب من جراء حرصه الشديد على تنفيذ الإجراءات الإصلاحية ، إلا أنه عليه السلام لم يتوانى أو يتردد في تطبيقها حتى في نفسه ولو للحظة واحدة . 

فنجده عليه السلام يرفض أن يترك معاوية بن أبي سفيان في السلطة ولو ليوم واحد ، ونجده كذلك يقسم بالله بأن يرجع الحقوق لأصحابها ، ونراه يصر على المساواة في العطاء بين الناس ، ونجده يحاسب المخطئين حتى من أصحابه وأتباعه ، كل ذلك من أجل الإصلاح ، ولا يصح التهاون في تطبيق ذلك عند أمير المؤمنين عليه السلام ، لأنه يرى التهاون فيها مخالفةً كبيرة لعملية الإصلاح ، وهذا بالتأكيد لا يتناسب مع شخصيته وكيانه الإصلاحي .

إن سلوك وتصرفات وقرارات أمير المؤمنين عليه السلام الإصلاحية قد سببت له الكثير من المتاعب والمشاكل خلال فترة حكمه ، فقد ثارت ثائرة المفسدين وجيشوا الجيوش لحربه عليه السلام، ولكن هذا الأمر لم يجعله يخضع أو يتنازل عن منهجه الإصلاحي أو على الأقل لم يضطره لئن يجامل أو يحابي أهل الفساد والإفساد لكي يخفف من نقمتهم عليه . يا ترى وهل  يعقل أن يجامل أمير المؤمنين عليه السلام أهل الباطل ؟ !!

بالطبع ، لا ولا وكلا ، وحاشاه أن يفعل مثل ذلك ،  لأنه عليه السلام رجل إصلاح وكل همه مُركز ومرتكز على إقامة الحق ومقاومة الباطل ، لذا كان من الطبيعي أن يتخذ مثل هذه الإجراءات الصارمة ضد أهل الفساد والإفساد ، وكان من الطبيعي أيضاً أن يحاربه هؤلاء المفسدون لأنهم يرون في الإصلاح الخطر الأعظم الذي يهدد مصالحهم وأهدافهم ، والتي هي في مجملها وغالبيتها قائمة على عمليات الفساد والإفساد .

نعم ، حصلت الكثير من الحروب والتمردات في عهد أمير المؤمنين عليه السلام من قبل المفسدين وأتباعهم ، وذلك لكي لا يقام الحق ولا يدحض الباطل ، حتى أن بعض المؤرخين قالوا بأنه عليه السلام ليس رجلاً سياسياً , وأنه رجل حرب لا رجل سياسة ، وذلك للحروب التي حدثت في فترة حكمه عليه السلام . ويمكننا القول لهؤلاء ولغيرهم بأنه عليه السلام رجل إصلاح، وأينما يكون الإصلاح يكون الإمام علي عليه السلام، فإذا كان الإصلاح في الحرب كان عليه السلام محارباً، وإذا كان الإصلاح في غيره كان عليه السلام فيه ومعه.

إن أمير المؤمنين عليه السلام يُمثل ويمتثل منهج الإصلاح في كل شيء في حياته ، ولهذا السبب نرى المفسدين وأتباعهم عبر العصور قد أعلنوا الحرب عليه ،عليه السلام وعلى أتباعه بكافة أشكالها ، الحرب العسكرية ، الحرب الإعلامية ، الحرب النفسية ، والحرب المادية والاقتصادية ، وغيرها من الوسائل والأساليب التي من خلالها يحاربون المنهج الإصلاحي في علي عليه السلام وأتباعه.(لا أقصد بأتباع الإمام علي عليه السلام هنا الشيعة الأثنى عشرية وإنما أقصد كل من يقوم بالإصلاح متبعاً نهجه عليه السلام بغض النظر عن ديانته ومذهبه وتوجهاته)

تأملات في نهج الإمام علي عليه السلام :

منذ بداية توليه الحكم ، أعلن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بأن هدفه من الحكم هو إقامة الحق والإصلاح ، إذ ورد عنه عليه السلام قوله : ' أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَالْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، وَالْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الاْسَدِ! هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجِ الْحَقِّ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَان، وَلاَ الْتمَاسَ شِيء مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الاْصْلاَحَ فِي بِلاَدِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ.' . راجع نهج البلاغة خطبة 131ص 236 -237.

نعم ، إن أمير المؤمنين عليه السلام يريد الإصلاح وممارسة العدالة في المجتمع ، ويريد إقامة الحق ودفع الباطل ، ولذلك يقول ابن عباس رحمه الله : "دخلت على أمير المؤمنين صلوات الله عليه بذي قار وهو يخصِف نعله، فقال لي: ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمةَ لها! قال: والله لَهِيَ أَحَبُّ إِليَّ من إِمرتكم، إِلاّ أَن أُقيم حقّاً، أَوأَدفع باطلاً". راجع كتاب نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده خطبة 33 ص83 

وكذلك جاء في كلام له عليه السلام في أمر البيعة : ' لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً، إِنِّي أُرِيدُكُمْ للهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لاِنْفُسِكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُوني عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَايْمُ اللهِ لاُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ، وَلاَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهَ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً. ' . نهج البلاغة خطبة 136ص 241 .

هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام وهذه هي أهداف حكمه ، وهذه هي شعاراته التي أطلقها ليقود عملية الإصلاح والتغيير الإيجابي في الناس ، فلا حكم عنده إلا لكي يقيم من خلاله الحق والعدالة والمساواة ، وليرد المعالم من الدين ، ولكي ينصف المظلوم ، وغيرها من الشعارات الإصلاحية السامية ، التي كان أمير المؤمنين عليه السلام حريص عليها ويسعى لتحقيقها .

أمير المؤمنين بين الإصلاح والمصلحة العامة :

قد يقول قائل : بأنه في بعض الأحيان تكون المصلحة العامة بخلاف الإصلاح ، لذلك -بحسب وجهة نظر القائل - لابد من مراعاة المصلحة العامة وترك عملية الإصلاح .

 إننا وإن كنا قد تطرقنا لهذه المقولة في الموضوع السابق:" لا للتصالح والمصالح ، نعم للإصلاح" إلى أننا سوف نستعرضها هنا ولكن بشكل مختلف ، وذلك من خلال بعض الوقفات مع منهج أمير المؤمنين عليه السلام الإصلاحي ، وسنرى هل كان أمير المؤمنين عليه السلام مع ترك الإصلاح لمثل هذه الحجج والمبررات أم لا ؟

وقفات مع المنهج الإصلاحي لأمير المؤمنين عليه السلام:

إننا من خلال الوقفات التالية مع منهج أمير المؤمنين عليه السلام ، سوف نؤكد وثبت ما أثبتناه سابقاً من أن المصلحة العامة الحقيقية للمجتمع لا تكون ولا تتحقق إلا في القيام بالإصلاح ، ولا مصلحة عامة بلا إصلاح ، وهذه الوقفات والنقاط سوف نعرضها على شكل تساؤلات إجابتها وتعليلها جميعها، بأنه للإصلاح قام أمير المؤمنين بهذه الأفعال والإجراءات .

أولاً: لماذا رفض أمير المؤمنين (ع) شرط عبد الرحمن بن عوف لتوليه الخلافة ؟ 

ذكرت بعض المصادر التاريخية في الأحداث التي تلت مقتل عمر بن الخطاب رضوان الله عليه ، بأن الخلافة والحكم عرضت على أمير المؤمنين عليه السلام ، بشرط أن يسير بسيرة أبي بكر وعمر ، إذ جاء في تاريخ الطبري بأن عبد الرحمن بن عوف نادى أمير المؤمنين عليه السلام بعد مقتل عمر بن الخطاب وقال له :

' هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر فقال عليه السلام : اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ' .راجع كتاب تاريخ الطبري ج 3 ص 301 (مكتبة أهل البيت عليهم السلام الإلكترونية)

بعد ذلك كما ينقل الطبري ' نادى عبد الرحمن بن عوف عثمان قائلاً : قم إلى يا عثمان فأخذ بيده وهو في موقف (الإمام) علي (عليه السلام) الذي كان فيه فقال هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر قال اللهم نعم . ثم رفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان ثم قال : اللهم اسمع واشهد اللهم إني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان ' . الطبري ج 3 ص301 - 302 (مكتبة أهل البيت عليهم السلام).

وبهذا خسرت الخلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وتمت البيعة لعثمان ، وذلك لأنه عليه السلام رفض شروط عبد الرحمن بن عوف في الخلافة . السؤال هنا : لماذا رفض أمير المؤمنين عليه السلام شروط ابن عوف ؟ ولماذا لم يقبل بها ولو بشكل ظاهري - صوري- فقط ؟ !!

الجواب : بكل بساطة ووضوح هو لأن هدف أمير المؤمنين عليه السلام من الحكم هو الإصلاح وليس الحكم لذاته ، لذا نجده يرفض أن تقيد حريته بشرط يتنافى مع خطه ومنهجه الإصلاحي هذا بالنسبة للسؤال الأول .

 أما بالنسبة للسؤال الثاني : لماذا لم يقبل عليه السلام بهذا الشرط ولو بشكل صوري فقط ؟ !! فجوابه أيضاً لأنه يتنافى الإصلاح، لأن الإصلاح عند أمير المؤمنين عليه السلام عملية شاملة تشمل كل شيء، القول والفعل، الطريقة والأسلوب، والغاية والهدف (الغاية لا تبرر الوسيلة).

ثانياً لماذا رفض أمير المؤمنين (ع) ترك معاوية في السلطة ؟ 

إن أمير المؤمنين عليه السلام يرى ترك معاوية بن أبي سفيان في السلطة يتنافى مع عملية الإصلاح ، لأنه عليه السلام لا يرى فيه شخصية المصلح ، بل على العكس من ذلك تماماً ، إذ أنه يراه شخصاً فاسداً ومفسداً ، ولذلك أدرك عليه السلام أن تركه في السلطة سوف يؤدي إلى المزيد من عمليات الإفساد ، ومن أجل ذلك لم يتردد عليه السلام في عزله مباشرة بعد توليه الحكم .

إن عزل أمير المؤمنين عليه السلام لمعاوية ، لم يعجب الكثير من المؤرخين وأهل السياسة ، وذلك لأنهم يرون بأنه عليه السلام قد أخطأ في هذا الإجراء ، لأنه كان من الأفضل كما يقولون أن يتركه في مكانه إلى أن يستتب له الأمر ، وحجة هؤلاء تشبه بشكل كبير حجة بعض من يرفع شعار المصلحة العامة - باللفظ فقط - في هذه الأيام ، فكلاهما ينطلق من نقطة الحرص على عدم حدوث المشاكل والفتن .

ولنا أن نتساءل عن سبب ذلك ونقول: لماذا لم يترك أمير المؤمنين عليه السلام معاوية في السلطة إلى أن يستتب له الأمر ؟ !! ولماذا أصر على هذا الإجراء رغم علمه عليه السلام بنتائجه ؟ !!

الجواب بشكل عام لأنه عليه السلام يرى أن هذا الأمر مخالف للإصلاح وتفصيل ذلك في نقطتين :

الأولى: الغاية لا تبرر الوسيلة، فإذا كانت الغاية هي الإصلاح، فإن هذا لا يبرر أبداً إتباع طرق غير صحيحة، تتهاون مع المفسدين وتتنافى مع القيام بالإصلاح.

الثانية : لعله عليه السلام تعامل في هذا الموقف من منطلق كونه قدوة ، فلو افترضنا جدلاً أن أمير المؤمنين عليه السلام ترك معاوية بن أبي سفيان في السلطة إلى أن يستتب له الأمر ، فلربما أخذناها نحن ذريعة في تصرفاتنا وسلوكياتنا ، بمعنى أننا قد نحابي ونجامل ونداهن أهل الباطل والفساد والحجة موجودة عندنا، وهي أن أمير المؤمنين عليه السلام وهو القدوة قد فعلها من قبل .

ولكن عزله عليه السلام لمعاوية يعطينا درساً بأن المجاملة والمحاباة على حساب الحق لا تصح بتاتاً مهما كانت الحجج والمبررات ، ومع ذلك للأسف الشديد يأتي البعض في هذه الأيام ويحابي أهل الباطل مع علمه بتصرف أمير المؤمنين عليه السلام ، هذا وهو يدعي الإقتداء به والسير على نهجه ولا أدري كيف يكون ذلك ؟؟ !!

قد يقول قائل : لماذا عقد الإمام الحسن عليه السلام الصلح مع معاوية ؟ أليس هذا التصرف يخالف عملية الإصلاح ؟ !!  أليس فيه اختلاف مع نهج أمير المؤمنين عليه السلام ؟ !!

هناك اختلاف كبير بين موقف أمير المؤمنين وموقف الإمام الحسن عليهما السلام ، فلو ترك أمير المؤمنين عليه السلام معاوية في السلطة ولم يعزله ، فهذا يعني بأنه أعطاه الشرعية عنه ، لأنه سيظل في السلطة على أنه أحد ولاة أمير المؤمنين عليه السلام ، ومعاوية بالتأكيد لا يستحق هذه الشرعية ، وأمير المؤمنين عليه السلام بالتأكيد لا يفعل مثل ذلك ، لأن هذا الأمر قد يغطي على تصرفات وسلوكيات معاوية المنحرفة ، وإذا لم يغطيها فإنه سوف يسيء للإمام علي عليه السلام ولأهدافه ولمسيرته الإصلاحية ، لأن سلطته ستكون تابعة لسلطة أمير المؤمنين ومستمدة منها، وبالتالي ستكون أفعاله وتصرفاته أيضاً محسوبة على أمير المؤمنين عليه السلام .

أما بالنسبة للإمام الحسن عليه السلام والصلح ، فالوضع مختلف تماماً ، فهناك ظروف قاسية تعرض لها عليه السلام اضطرته لعقد الصلح مع معاوية ، ويمكن الرجوع للأبحاث التي تطرقت لذلك ، ولكن ما يهمنا هنا بأن صلح الإمام الحسن عليه السلام لم يعطي معاوية بن أبي سفيان الشرعية ، ولم يغطي على انحرافاته ، بل على العكس إذ أنه فضحه وبين حقيقته للناس،  وهذه الأمر يختلف عنه فيما لو تركه أمير المؤمنين عليه السلام .

رابعاً : لماذا يقسم أمير المؤمنين (ع) على إعادة الحقوق لأصحابها ؟

ومن كلام له عليه السلام فيما رده على فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان : " وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الاِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ; فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ!" نهج البلاغة خطبة 15ص 52 .(قطائع عثمان أي ما منحه للناس من الأراضي)

من الطبيعي أن يكون لهذا الأمر مشاكل كثيرة وكبيرة، فلماذا إذاً يصر أمير المؤمنين عليه السلام على تنفيذه ؟ ولماذا لم يقل بأن المصلحة العامة تتطلب تناسي الماضي والتغافل عن مثل هذه الأمور ؟ !!

خامساً : لماذا يُصر أمير المؤمنين (ع)على إنصاف المظلوم من الظالم ؟

وكذلك جاء في كلام له عليه السلام في أمر البيعة : ' لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِداً، إِنِّي أُرِيدُكُمْ للهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لاِنْفُسِكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ، أَعِينُوني عَلى أَنْفُسِكُمْ، وَايْمُ اللهِ لاُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ، وَلاَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهَ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهاً". نهج البلاغة خطبة 136ص 241

 أليس هذا الإصرار من قبل أمير المؤمنين عليه السلام سوف يسبب له الكثير من المشاكل والمتاعب ؟ !!

سادساً : لماذا يُصر أمير المؤمنين عليه السلام على المساواة في العطاء ؟

لما عوتب عليه السلام على تصييره الناس أسوة في العطاء من غير تفضيل بينهم ، قال عليه السلام : "أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ! وَاللهِ لاَ أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَميرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً! لَوْ كَانَ الْمَالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللهِ لَهُمْ". نهج البلاغة خطبة 126 ص 230-231 .

لماذا لم يخضع أمير المؤمنين للضغوط وتنازل عن المساواة في العطاء ، وذلك حفاظاً على المصلحة العامة وعدم إثارة الفتن والمشاكل ؟

سابعاً: لماذا لم يجامل أمير المؤمنين عليه السلام حتى أصحابه وأتباعه ؟

ورد من كلام له عليه السلام كلم به عبد الله بن زمعة وهو من شيعته وذلك لما قدم عليه في خلافته يطلب منه مالاً ، فقال عليه السلام : " إِنَّ هذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَلاَ لَكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَجَلْبُ أَسْيَافِهِمْ، فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ، وَإِلاَّ فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لاَ تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ" نهج البلاغة خطبة231 ص 419 .

ومثل ذلك كذلك قصته عليه السلام مع أخوه عقيل بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليه عندما طلب منه أن يعطيه من بيت مال المسلمين .

إن عادة الكثير من الناس أنهم إذا لم يجاملوا أعدائهم جاملوا أصحابهم وأتباعهم ، لكي لا ينقلبوا إلى أعداء ، ولكن أمير المؤمنين عليه السلام يأبى أن يستجيب للضغوط التي تجعله ينحني أمام الحق أو يخضع للباطل .

ثامناً : لماذا عزل أمير المؤمنين محمد بن أبي بكر ؟

الإصلاح يتطلب وضع الشخص المناسب في المكان المناسب (الكفاءة)، بل قد يصل الأمر أحياناً إلى أنه يتطلب وضع الشخص الأنسب (الأكفأ) في المكان المناسب ، لأجل هذا عزل أمير المؤمنين عليه السلام محمد بن أبي بكر رضوان الله تعالى عليه واستخلف مكانه مالك الأشتر ، والسؤال هنا: لماذا ؟ !! ألم يتربى محمد بن أبي بكر في حجر أمير المؤمنين عليه السلام ؟ ألم يحافظ محمد بن أبي بكر على صلاحه وإخلاصه لأمير المؤمنين عليه السلام ؟ !!

بالتأكيد أن محمد بن أبي بكر رضوان الله عليه كان من أكثر الناس صلاحاً وإصلاحاً وإخلاصاً لأمير المؤمنين عليه السلام ، ولم يعزله أمير المؤمنين عليه السلام لفساده ، وإنما عزله لأنه كان يرى مالك الأشتر رضوان الله عليه الشخص الأفضل والأنسب (الأكفأ) لحكم مصر في تلك الظروف التي كانت تمر بها ، وقد بين أمير المؤمنين هذا في كتاب له إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجّده من عزله ، إذ         يقول عليه السلام في كتاب بعثه إلى محمد بن أبي بكر رضوان الله عليه ما يلي : " وَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الاْشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ، وَإِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الجَهْدِ، وَلاَ ازدِياداً لَكَ فِي الْجِدِّ، وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ، لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلاَيَةً.

إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً، فَرَحِمَهُ اللهُ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلاَقَى حِمَامَهُ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضونَ، أَوْلاَهُ اللهُ رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ.

فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ، وَامْضِ عَلَى بَصيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ، وَادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، وَأَكْثِرِ الاسْتِعَانَةَ بِاللهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزِلُ بِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ" نهج البلاغة كتاب 34 ص475-476 شرح محمد عبده .

الله أكبر ، انظروا كيف أن أمير المؤمنين عليه السلام ، لم يجامل ولم يداهن في أفعاله وتصرفاته حتى أصحابه المخلصين له .

تاسعاً : لماذا يحاسب ويتابع أمير المؤمنين حتى أصحابه وأتباعه ؟

إن سيرة أمير المؤمنين عليه السلام مليئة بالنماذج الرائعة للمحاسبة الشاملة التي شملت حتى أصحابه وأتباعه وولاته ، ولقد تحدث التاريخ عن الكثير من هذه النماذج الرائعة للمحاسبات التي أجراها عليه السلام لأصحابه ولقيادات دولته ، فكان عليه السلام دائماً ما يتابع ويلاحظ شؤون ولاته وعماله في الأمصار المختلفة ، على الرغم من بعد أماكنهم و وانحسار وسائل الاتصال في ذاك الزمن بالطرق التقليدية ، التي تتطلب الكثير من الوقت والجهد لإجرائها، إلا أنه عليه السلام قدم الأنموذج الأمثل والأفضل والأكمل للمحاسبة والمتابعة .

فعلى الرغم من الفوارق الكبيرة في الوسائل والإمكانات بين عصره عليه السلام وعصرنا هذا، إلا أنه عليه السلام كان يقوم بعملية المتابعة والمحاسبة في أعلى مستوياتها ، فنجده عليه السلام يحاسب عماله في الأمصار المختلفة ، وكأنهم جميعهم يعيشون معه في الكوفة ، بحيث تلحظهم عينه ولا تفارقهم أبداً ، فنراه عليه السلام يرسل للمنذر بن الجارود العبدي رسالة شديدة لأنه قد خان في بعض ما ولاه من أعماله ، إذ يقول عليه السلام : " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ صَلاَحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ، وَظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ، وَتَسْلُكُ سَبِيلَهُ، فَإِذَا أَنْتَ فِيَما رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لاَتَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً، وَلاَ تُبْقِي لاِخِرَتِكَ عَتَاداً، تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بَخَرَابِ آخِرَتِكَ، وَتَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ.

وَلَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً، لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَشِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَمَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْل أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ، أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ، أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ، أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَة، أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى خِيَانَة.

فَأقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هذَا إِنْ شَاءَ اللهُ. كتاب 71 ص 542 نهج البلاغة .

 ويرسل إلى عامل آخر من عماله ويقول : "أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ، إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ، وَعَصَيْتَ إِمَامَكَ، وَأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ.بَلَغَنِي أَنَّكَ جَالبلاغة.لاْرْضَ فأَخَذْتَ مَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وَأَكَلْتَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ، وَالسَّلاَمُ." كتاب 40 ص 481 نهج البلاغة .

وكذلك نراه عليه السلام يرسل كتاب لعبد الله بن العباس وهو أحد عماله ويقول في بعض كلماته فيه : " أَيُّهَا الْمَعْدُودُ ـ كَانَ ـ عِنْدَنَا مِنْ ذَوِي الاْلْبَابَ، كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَطَعَاماً، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً، وَتَشْرَبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الاِمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْـمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ هذِهِ الاَمْوَالَ، وَأَحْرَزَ بِهِمْ هذِهِ الْبِلاَدَ؟!
فَاتَّقِ اللهَ، وَارْدُدْ إِلَى هؤُلاَءِ الْقَوْمِ أمَوَالَهُمْ، فإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللهُ مِنْكَ لاُعْذِرَنَّ إِلَى اللهِ فِيكَ، وَلاَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ!

وَ وَاللهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فعَلاَ مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، وَلاَ ظَفِرَا مِنِّي بَإِرَادَة، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا، وَأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا.

وَأُقْسِمُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلاَلٌ لِي، أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي، فَضَحِّ رُوَيْداً، فَكَأنَّكَ قَدْ بَلَغَتَ الْمَدَى، وَدُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْـمَحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ الرَّجْعَةَ، (وَلاَتَ حِينَ مَنَاص)! وَالسَّلامُ.نهج البلاغة كتاب 41 ص 483

ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامله على بلدة من بلاد العجم : " بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلهَكَ، وَأَغْضَبْتَ إِمَامَكَ: أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْءَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَخُيُولُهُمْ، وَأُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ، فِيمَنِ اعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَئِنْ كَانَ ذلِكَ حَقّاً لَتَجِدَنَّ بِكَ عَلَيَّ هَوَاناً، وَلَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً، فَلاَ تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ، وَلاَ تُصلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ، فَتَكُونَ مِنَ الاَخْسَرِينَ أَعْمَالاً.
أَلاَ وَإِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَقِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِسْمَةِ هذَا الْفَيْءِ سَوَاءٌ، يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ،يَصْدُرُونَ عَنْهُ، والسَّلامُ." نهج البلاغة كتاب 43 ص484

ومن كتاب له عليه السلام إلى أحد عماله : " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً. وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلا لاَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلاَ أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَف مِنَ الشِّدَّةِ، وَ دَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَ الرَّأْفَةِ، وَ امْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَ الاِدْنَاءِ، وَالاِبْعَادِ وَالاِقْصَاءِ. إِنْ شَاءَ اللهُ " نهج البلاغة ص 440 كتاب رقم 19 .

هناك الكثير من النماذج المشابهة لهذه المحاسبات ولكن فيما ذكرناه كفاية .

محاسبة من نوع آخر : كلمات أمير المؤمنين عليه السلام لعثمان بن حنيف

إن من يراجع كلمات أمير المؤمنين عليه السلام التي وجها لعثمان بن حنيف الأنصاري رضوان الله تعالى عليه يدرك مدى جدية أمير المؤمنين وشدته في مراقبته ومحاسبته حتى  لأصحابه ، بل حتى لأفاضل أصحابه ، فرسالته لعثمان بن حنيف هي في الحقيقة رسالة عجيبة وليست عادية ، خصوصاً إلى علم قارئها بأن سبب إرساله عليه السلام لهذه الرسالة هو أن ابن حنيف لبى دعوة أغنياء إلى وليمة دعي إليها ، وهذا الأمر لم يرضي أمير المؤمنين عليه السلام ، لذلك كتب إليه رسالة شديدة اللهجة جاء فيها : "أَمَّا بَعْدُ، يَابْنَ حُنَيْف، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأْدُبَة، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا، تُسْتَطَابُ لَكَ الاَلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلى طَعَامِ قَوْم، عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ.

فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هذَ الْمَقْضَمِ، فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ.

أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَأمُوم إِمَاماً، يَقْتَدِي بِهِ، وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ.

أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ.
أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ، وَلكِنْ أَعِينُوني بِوَرَع وَاجْتِهَاد، [وَعِفَّة وَسَدَاد]."

فَوَاللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً.

إلى أن يقول عليه السلام: " فَاتَّقِ اللهَ يَابْنَ حُنَيْف، وَلْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ، لِيَكُونَ مِنْ النَّارِ خَلاَصُكَ]." نهج البلاغة كتاب 45 ص 486.

انظروا إلى دقة الأمر عند أمير المؤمنين عليه السلام ، فهو لا يرضى أن يكون أصحابه وولاته بهذا الشكل ، الذي يبدوا أمراً عادياً بل أقل من عادي(طبيعي جداً) في هذه الأيام .

هل نحن أكثر حرصاً على المصلحة العامة من أمير المؤمنين (ع)؟

بعد معرفتنا لما سبق عن نهج أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وعن سيرته ومسيرته الإصلاحية، هل بقي لنا عذر يمكننا أن نعتذر به لكي لا نقوم بالإصلاح أو لا نقبل به ؟ !! هل بعد علمنا بتصرفات أمير المؤمنين عليه السلام سنقول بأن المصلحة العامة تتطلب أن لا نقوم بعملية الإصلاح والمحاسبة خشية المشاكل والفتن ؟ !! وهل بعد علمنا بشمولية محاسبة أمير المؤمنين عليه السلام حتى لأصحابه ولقيادات دولته سوف نستثني بعض الأشخاص من عملية المحاسبة بحجة الخوف على المصلحة العامة أو أي حجة كانت ؟ !!

إن من يصر على موقفه مع علمه بتصرفات أمير المؤمنين عليه السلام ، هو في الحقيقة لا يقتدي بأمير المؤمنين عليه السلام وإن أدعى ذلك ، وإلا هل هو أكثر حرصاً منه عليه السلام على المصلحة العامة ؟ !! أو أنه يرى بأن أمير المؤمنين عليه السلام ليس حريصاً على المصلحة العامة إطلاقاً؟ !!

بالطبع ، إن أمير المؤمنين عليه السلام حريص كل الحرص على المصلحة العامة للمجتمع، ومهما كنا حريصين ومهما قلنا أو فعلنا ، فإننا لن نكون أكثر حرصاً منه عليه السلام ، ولكنه عليه السلام لا يرى أن تحقق المصلحة العامة مشروط بعدم وجود مشاكل ومصاعب ، بل إنه يرى المصلحة العامة في القيام بالإصلاح مهما كلف الأمر (ما لم يضر بالدين طبعاً).

بمعنى أنه عليه السلام لا يرى أي مصلحة عامة بلا إصلاح ، ففي الإصلاح تكون المصلحة العامة ، وفي الإصلاح تحفظ وتصان المصلحة العامة عند أمير المؤمنين عليه السلام ، وليس بالمجاملة والمحاباة ، وصدق عليه السلام إذ يقول : " لا يقيم أمر الله سبحانه إلا من لا يصانع ، ولا يضارع، ولا يتبع المطامع" ، أي لا يداري في الحق ولا يشتبه في عمله بالمبطلين ولا يميل إلى المطامع . راجع نهج البلاغة ص566 شرح الشيخ محمد عبده .

ختاماً نقول : إن أي شخص يرفع شعار المصلحة العامة وينادي بالمحافظة عليها ، ويتجنب الإصلاح هو في الواقع لا يعني ولا يستهدف بكلامه هذا المصلحة العامة الحقيقية ، لأن المصلحة العامة الحقيقية هي في القيام بالإصلاح .

لذا إن أي شعار يرفع باسم المصلحة العامة ويستخدم لكي لا تقام عملية الإصلاح ، ما هو إلا شعار يسعى لتحقيق مآرب أخرى غير المصلحة العامة الحقيقة ، بمعنى أنه ليس له من المصلحة العامة إلا الاسم فقط ، ولو تبحث وتفحص الإنسان الواعي لمن ينادون بالمصلحة العامة من غير الإصلاح ، لوجدهم في الباطن ومن تحت الستار يهدفون للحفاظ على مصالح خاصة بشخص معين أو بفئة معينة ، ولكن يقومون بتغطيتها تحت مسمى المصلحة العامة .  وإنشاء الله يكون الإصلاح وإطفاء الثائرة بين الأخوة ويجمع الله شمل هذه الأمة . بصلاح فيما بينهما واسأل الله أن يزيد فيهم الحلم وكظم الغيظ وضبط النفس إزاء ميراث الغضب ، وهما من أشرف السجايا وأعز الخصال ، ودليلا سمو النفس وكرم الأخلاق وسبب المودة والإعزاز . وقد مدح الله الحلماء والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس ، وأثنى عليهم في محكم كتابه الكريم فقال تعالى :(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) الفرقان /63. وقال تعالى : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فصلت /34 . وقال تعالى : (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فصلت /35. وقال تعالى : (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران /134. وعلى هذا النسق سار الإمام علي عليه السلام  على سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن توجيهات أهل البيت عليهم السلام هي من السنة النبوية الشريفة ونسقها . وقال الإمام الباقر عليه السلام : إن الله عزوجل يحب الحيي الحليم . الكافي.  وقال الإمام علي عليه السلام : أول عوض الحليم من حلمه ، أن الناس أنصاره على الجاهل . نهج البلاغة.

وقال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام : أصبر على أعداء النعم ، فإنك لن تكافئ من عصى الله فيك ، بأفضل من أن تطيع الله فيه . الكافي.

ونعم ما قيل في هذا الصدد :

وذي سفه يخاطبني بجهل ... فآنف أن أكون له مجيباً

يزيد سفاهة وأزيد حلماً ..... كعود زاده الإحراق طيباً.

وأروع ما قاله الإمام الرضا في الحلم :

إذا كان دوني من بليت بجهله ... أبيت لنفسي أن تقابل بالجهل

وإن كان مثلي في محلي من النهى ... أخذت بحلمي كي أجل عن المثل

وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجى ... عرفت له حق التقدم والفضل.

مع تحيات

المحب

سيد صباح بهبهاني

هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته

 
< السابق   التالى >

ضع اعلانك هنا ونحن نساعدك

kurdistan_times_ad.jpg
ضع اعلانك هنا ونحن نساعدك

ترجمة: صلاح برواري

shirin.jpg
ترجمة: صلاح برواري

فائق الربيعي

fayek_al_robeai.jpg
فائق الربيعي

سامي العامري

sami-al_amiri.jpg
سامي العامري

ألند إسماعيل

wezahzmiid.jpg
ألند إسماعيل

محمد الياسري

mohammad_al_yasiri_1207009.jpg
محمد الياسري

خلدون جاويد

khaldoun_jaweed.jpg
خلدون جاويد

ميديا كدّو

midya-gedo-1.jpg
ميديا كدّو

نادية الآلوسي

nadia_alousy.jpg
نادية الآلوسي

زياد الأيوّبي

mele_mustafa_barzani1.jpg
زياد الأيوّبي

نجيب صالح بالايي

najib.jpg
نجيب صالح بالايي

RSS 2.0 Our site is valid XHTML 1.0 Transitional
Webbhotell WinStart